أفكار ومواقف

سقطات “الجزء السابع”..!

أحد الموضوعات التي تداولها الناس في رمضان -غير كوارث السياسة- كان السقطات العديدة التي تضمنها “الجزء السابع” من الدراما السورية الرائجة “باب الحارة”. وقد حاول القائمون على هذا العمل البناء على النجاح الملفت لجزئه الأول قبل سنوات، لكن الأجزاء التالية سلكت مساراً انحدارياً حتمياً، كما تبين. وفي النهاية، أصبح تصيد العثرات والتناقضات يسرق الاهتمام من الحدث نفسه، وانقطعت العلاقة الحميمة بين الانتباه والموضوع.
ليس ما حدث في هذه الدراما الحكائية مهماً على وجه التحديد، لأنها في النهاية تجربة فنية يمكن أن تنجح أو تفشل. لكنه يمكن أن يزودنا ببعض التأملات، إذا ما رأيناه في السياق الأوسع لخبرة هذه المنطقة، وتعقبنا التشابهات بين الدراما وسلوكنا التاريخي.
أولاً، يبدو أننا نعتقد جازمين بأن الشيء الذي ينجح مرة، يجب أن ينجح مرات تالية. وبذلك، نتوقف كثيراً عند الشيء بدلاً من تجاوزه والبحث عن جديد غيره. لكن الحقيقة هي أن الغزل على نفس المنوال يجلب الملل، ويستنفد الجاذبية والإدهاش، والفائدة. ولو أن الخبرة البشرية الجمعية وقعت في فخ إعادة إنتاج الشيء نفسه والتوقف عنده، لما ابتعدنا كثيراً عن صورة الإنسان الأول. لكن هناك -لحسن الحظ- من يحاول دائماً شيئاً جديداً ويكره التكرار، ولو أن هؤلاء ليسوا كثيرين عندنا. أما نحن، فنلح على إعادة إنتاج القصة القديمة نفسها، كما يؤكد الاتجاه القوي الذي يحاول الآن فرض “جزئه السابع” من قصة قديمة، حسب رؤيته عن استئناف “الحبكة الناجحة”، بالسيوف والمدافع.
ثانياً، يعرض “باب الحارة” الجديد مسألة التنافر بين الموضوع والسياق. فقبل سنوات، كانت حكاية التكافل الاجتماعي وقيمة حب الجار ومقاومة الاستعمار في الحارة الشامية -أيّ حارة شامية- مسألة مثيرة للإعجاب. لكن الحديث عن هذه الثيمات في زمن الحرب الأهلية السورية-السورية، والعربية-العربية، أصبح انفصالاً مطلقاً عن السياق. ما أهمية الحكاية ومنطقها إذا كان الواقع يحكي عكسها تماماً ويفككها؟! لكن هذه الممارسة في “باب الحارة” قد تكون “واقعية” فقط بمعنى أنها تعكس اتجاهاً ثقافياً واقعياً حاضراً، هو قول شيء لا يمت إلى الحاضر. وقد اعتدنا أن نستعمل التاريخ لا كأداة لفهم الحاضر، وإنما كبديل وملجأ عاطفي عن مواجهة الراهن. كذلك حال السرد الكبير الغامر الذي يتردد الآن، قولاً وفعلاً، عن قصة القرن السابع في القرن الحادي والعشرين.
ثالثاً، عرضت سقطة ظهور سروال “الجينز” من تحت ثوب “أبو عصام” مفارقة إلباس الناس هيئات وأثوابا لا تنتمي إلى زمنها. وقد أثار هذا المشهد الاستغراب، بقدر ما استحق التندر. ومع ذلك، يقبل الكثير من بيننا شيئاً مشابهاً وأكثر غرابة، لأنه يكون قاتلاً -حرفياً- في كثير من الأحيان. ذلك هو حكاية أن ارتداء الزي الباكستاني (السروال والقميص الطويل والعمامة) هو الضرورة المطلقة التي يحتاجها العرب والمسلمون حتى يجدوا لهم مكاناً في القرن العشرين. ويشتري الكثيرون هذا الزي على أنه زي الجزيرة العربية الذي مكّن العرب والمسلمين الأوائل من غزو الآخرين وإقامة إمبراطورية. ومن الغريب أن هذه الفكرة “بياعة” ويشتريها هذا العدد الكبير من الناس القانعين بأن الأزياء المستعادة من القرون الماضية هي حبل النجاة الأخير لهذه الحضارة.
رابعاً، حاول “الجزء السابع” من الدراما استعادة التشويق والمعنى بإحياء من انقطع منه الرجاء. وعلى سبيل المثال، استعادت الدراما “أبو عصام” بعد أن خرج من الأحداث، لأنها لم تستطع ابتكار شخصية قيادية جديدة مقنعة. لكن عودة “الزعيم” ظلت باهتة وغير مقنعة، ببساطة لأن هذه الشخصية استهلكت نفسها ووقتها مسبقاً. ورافق ذلك استخدام وجوه جديدة (ممثلين جدداً) لأداء أدوار شخصيات استنكف مشخصوها عن استكمالها. وقد أضعفت هاتان المحاولتان العمل وفاقمتا أزمته. لكن هذا أيضاً يستعير من مما يجري هنا والآن. هناك -على سبيل المثال لا الحصر- استعادة “الخليفة أبو بكر الصديق” في شكل “الخليفة أبو بكر البغدادي”، وأي شخصيات ممكنة من تلك الحقبة بوجوه جديدة.
الإفلاس من اقتراح الجديد وبدء حكاية جديدة، هي السمات المشتركة بين “باب الحارة” وبين “فصلنا السابع” من الدراما الاستعادية المليئة بالسقطات. لعل ذلك يقنعنا بعدم شراء أي “فصل ثامن”. كل عام وأنتم بخير!

‫3 تعليقات

  1. تعليق
    عندما ترا العنوان للوهلة الآولى لا تتوقع هذا الكلام المدهش الموزون الذي يحاكي واقعنا الآليم وكيف صور في دراما تلفزونية علق عليها بالبذخ وسوء تصوير الواقع والماضي معا لكن هذا المقال وضح كيف تم ربط ما حدث في الماضي وما يحدث الآن حتى مسألة وجود اليهود فهم موجودون لا محالة ولكن يختلف عن المسلسل اننا لا نصدق أن هناك تعامل فعلي كما حدث في المسلسل

    شكرا لك استاذي على هذا المقال الرائع

  2. الحل السحري
    الشعوب العربية بسيطة في كل شيء من اللباس الى التفكير. استفاقت بعد السبات الجبري للحكم التركي، وهي لا تعرف من هي. التقليد الأعمى في مختلف المجالات كان السبيل إلى ممارسة الحياة في كل دروبها. لذلك اكثر شعوب الأرض استعمالا ل كوبي بيست هي الشعوب العربية. اي عمل درامي عربي يصيبك بالغثيان لانه مسروق من عمل اخر مع بعض التعديلات الغبية! كل عام وانتم بخير.

  3. تلميع لليهود!
    اليهود بالمسلسل احسن من المسلمين !!! كرماء حقانيين .. يحاربون الفتنة ويضحون من اجل محاربة الفتنة!!!!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock