أفكار ومواقف

سقطة الوزير

يتورط وزير الخارجية الأميركية، ومعه وزير الخارجية الإيرانية، في لغة ليست على صلة أصلا بالسياسة، ولا حتى بالواقع، واذا كان وزير الخارجية الأميركي، ينزلق نحو الغيبيات الدينية، فإن رد وزير الخارجية الإيراني، اكثر سوءا، ويتسم بالنفاق أيضا.
بدأت القصة، حين قال وزير الخارجية الأميركي، انه يعتقد ان الله ارسل الرئيس الأميركي من اجل انقاذ إسرائيل من ايران، والتصريحات اثارت ردود فعل عديدة، لأنها تثبت أن الإدارة الأميركية تدير سياساتها، بشكل يقترب من النبوءات الدينية، وإشارات آخر الزمان، بما يفسر وقوف هذه المدرسة إلى جانب الإسرائيليين، فوق القداسة الزائفة التي يمنحها الوزير للرئيس، وهي ذات القداسة التي حاول الرئيس الأميركي السابق، جورج بوش الابن حين صرح ذات مرة أن الله يتحدث اليه مباشرة، ويكلفه بمهمات مختلفة.
إلى هنا، يبدو الامر عاديا، أو مفهوما في بلد مثل الولايات المتحدة، لكن رد وزير الخارجية الإيراني، كان اكثر سوءا، ويحمل فعليا، رسائل نفاق وتملق ترضية لإسرائيل، من جهة، بل وتخليا عن سمات المشروع الديني الإسلامي، الذي تتغطى به طهران.
ماذا قال وزير الخارجية الإيراني في رده، على نظيره الأميركي؟ قال:إنهم حرفوا حتى التوراة لخدمة إيران فوبيا، كره إيران، لكن حقيقة ما تقوله التوراة هو كالتالي، أنقذ ملك الفرس اليهود من الاستعباد في بابل، أنقذ ملوك فارس الآخرون اليهود من الإبادة الجماعية، جرى تشجيع مخططي الإبادة الجماعية (لليهود) من قبل أهالي النقب وليس فارس، ملك الفرس هو الأجنبي الوحيد الذي أطلق عليه اسم “المسيح”. ؟!
حين يستدعي وزير الخارجية الإيراني فقرات في التوراة، على صلة بإيران الفارسية، فهو أيضا، يعزز القومية الفارسية، ودورها التاريخي تجاه اليهود، هذا فوق أن هذا الاستدعاء، جاء في سياق تاريخي نراه اليوم، يختلف تماما، عن محددات تلك الفترة، خصوصا، أن الإيرانيين يقدمون انفسهم كمسلمين أولا، وباعتبارهم يؤسسون لمعسكر مقاومة إسلامي واقليمي في المنطقة، ضد المشروع الإسرائيلي، كما يبدو واضحا، أن الوزير الإيراني، يريد نفي التهمة التي وجهها الوزير الأميركي لإيران، أي تهديد إسرائيل، وكأنه يقول عبر الاستدعاء الديني أن التاريخ لم يشهد تهديدا من الفرس لليهود، ولن يشهد أيضا تهديدا من الإيرانيين لإسرائيل، خصوصا، في هذا التوقيت الصعب الذي تعبره ايران.
هذا الكلام، ليس تحاملا على الوزير الإيراني، لكن تغريداته كانت غير موفقة، من جهة، وهي أيضا، مجرد محاولة لتذكير الإسرائيليين بالتاريخ، وان ما بين الطرفين ، كان سمنا على عسل، فلماذا يراد ان تحدث مواجهة بين الطرفين، لخصها الوزير الأميركي، بتوصيفه للدور الوظيفي السماوي، للرئيس الأميركي، الذي جاء لحماية إسرائيل من ايران.
حين ينزلق وزيرا خارجية دولتين، مثل الولايات المتحدة، وايران، نحو التاريخ، وتوظيفات الدين، والنبوءات والتوقعات، فإن عليك ان تفكر مطولا، في هؤلاء الذي يديرون هذا العالم، بهذه الذهنية التي تستحكم في عقول الكثيرين، وتقود العالم نحو الهاوية.
إذا كان هؤلاء يعملون بهذه الطريقة، فلماذا نلوم الافراد والجماعات، التي تستند الى عناوين كثيرة، تستقي معناها من هذه الذهنية المتوارثة، ايضا، والتي رأيناها في حالة وزيرين اثنين، احدهما ينطق باسم الله، وكأنه يتلقى الوحي، والثاني، لا يجد سوى التاريخ والنص الديني في التوراة، لإثبات حسن النوايا، وان الإيرانيين كانوا حماة اليهود.
في الحالة الإسلامية، وليس القومية الفارسية، حمى المسلمون في الاندلس اليهود، من الاضطهاد، لكن الوزير الإيراني، لم يقف عند هذه الحالة، بل ذهب الى التوراة، بحثا، عن نص ديني- تاريخي، يرتبط بالفرس، هذا فوق ان العرب والمسلمين اليوم، حين يستدعون قصص حماية المسلمين لليهود في الاندلس، فإنهم يستدعونها في سياقات المقارنة بين تلك الحالة، والمذابح التي ترتكبها إسرائيل، وليس في سياقات طلب العطف الضمني.
قد يأتيك البعض ليقول ان هذه حنكة من الوزير الإيراني، لإحراج الوزير الأميركي، لكنها في حقيقة الحال، مجرد سقطة، خصوصا، أن المشروع الإيراني الحالي، يتم تسويقه بطريقة لا صلة لها بالفرس، من جهة، فوق أن طهران تقدم ذاتها باعتبارها المناوئة لوجود إسرائيل.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock