أفكار ومواقف

سلسلة الكتل والأنظمة المالية والمؤسسية الجديدة

تحظى سلسلة الكتل – بلوك تشينز Blockchains باهتمام عالمي متزايد، ويبدو أن كثيرا من المؤسسات والحكومات صارت تفضل التعامل مع الحالة الجديدة والمشاركة فيها بدلا من مقاومتها، إذ إنها مسألة وقت حتى تكون أمرا واقعا، ونشهد بذلك أنظمة مالية ومصرفية جديدة مختلفة، بل وننشئ معنى جديدا للمال والثروة! نتحدث بطبيعة الحال عن مؤسسات وطبقات وأعمال وقيم جديدة مختلفة عما استقر عليه العالم قرونا من الزمان، لكن يجب ألا يصدمنا ذلك فقبل خمسمائة سنة لم يكن في العالم بنوك، وكانت الكنيسة تحرم نظام الفائدة على القروض والودائع، وكان المخرج للبنوك الناشئة أن تشغل اليهود الذين يبيحون التعامل بالربا مع “الأغيار” والواقع أنها إباحة براغماتية أو فتوى بشرية وليست أصلا في اليهودية،.. ما علينا!
تسمح منظومة الكتل بإجراء معاملات مالية وتوثيق ملكيات وأصول بدون حاجة إلى مؤسسات وسيطة، مثل البنوك أو مؤسسات حكومية مالية متخصصة، وفي الوقت نفسه فإنها على درجة عالية من الموثوقية والأمان.
إن معنى الثروة أو تقييمها بالذهب أو الفضة أو الأوراق النقدية والأسهم والسندات وأخيرا بالبطاقة الائتمانية هو عمليات رمزية توافقية أو تعاقدية، وقد غلب على تاريخ الإنسانية التعبير عن الثروة بالأرض والمواشي أو السلع والمنتجات المادية الحقيقية مثل الحبوب والقماش والتوابل، وكانت المقايضة هي النظام الأساسي للتبادل والتقييم، وهكذا فإن الرمز إلى الثروة لا يعتبر ثروة أو مالا؛ فكيف صار كذلك؟ لم يكن السؤال مهما أو مفيدا حتى أعادته الشبكية بقوة وإلحاح، وقد حاولت شبكة فيسبوك أن تطرح عملة نقدية عالمية “ليبرا” لكن المؤسسات النقدية والبنوك قاومت المبادرة، ويبدو أنها نجحت في وقفها أو تأجيلها، وللعلم فقد ظلت آلة النسيج لحوالي مائة سنة من ظهورها في انجلترا ممنوعة من العمل والتداول، ثم عندما استطاعت تجاوز السلطات التنظيمية صدرت فتاوى كنسية تحرم الكفن أو لبس غطاء الرأس (الذي كان سائدا وإلزاميا في أوروبا) إلا بالصوف، وكانت فتوى تستهدف منتجات المكائن والآلات الجديدة التي طرحت على نطاق واسعة أقمشة ومنسوجات من القطن والكتان!
يجري في منظومات البلوك تشينز إنشاء قيم وأنظمة للدفع والتبادل أو استبدال الثروة الجديدة المسجلة كأن تكون عقارا أو أصولا أو لوحات فنية أو مقتنيات ثمينة أو “ثقة” بالنقود المتداولة أو بنقود جديدة غير صادرة عن سلطات نقدية مثل “بيتكوين”.
وفي مقدور منظومة بلوك تشين أن تدير أنظمة وعمليات لدفع الفواتير والشحن وتوزيع الأرباح وحماية الملكيات الفكرية والمادية وتوثيقها، وإعادة توزيع الثروة على نحو أكثر عدالة ومنطقية، وتقليل الهدر والازدواجية في الإنفاق والمعاملات.
سيكون في مقدور الناس من خلال شبكة الكتل تبادل الخدمات والأموال من غير حاجة إلى البنوك والسلطات، وستكون التطبيقات الشبكية أكثر ذكاء وكفاءة من المؤسسات التنظيمية القائمة اليوم، وقد تستطيع البنوك والسلطات المالية والنقدية أن تبقى لكنها لأجل ذلك تحتاج حتما إلى إعادة تشكيل وتعريف نفسها، وأن تكون أكثر عدالة وتشاركية، وأن تتخلى بالطبع عن الاحتكار والهيمنة من غير فائدة أو حتى مع فائدتها وجدواها، فلن يظل حاجة أو معنى للإذعان الذي تحصل عليه أو تستمتع به، هي تتحول في الواقع إلى مؤسسات ومنتجات شبكية يملكها جميع الناس ويتوزعون فيما بينهم فوائدها وأرباحها، .. المحتكرون والمتسلطون يتحولون إلى تاريخ بشع وذكريات أليمة، وينضمون إلى النخاسين وتجار الرقيق والخارجين على القانون!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock