ترجمات

سلطة الحقنة: صعود دبلوماسية اللقاح

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

سيندي يو* – (ذا سبكتيتور) 20/2/2021
في نهاية شهر كانون الثاني (يناير)، ألقى رئيس تشيلي، سيباستيان بينيرا، كلمة على مدرج مطار سانتياغو. وقال وهو يقف أمام طائرة بوينغ 787 وصلت لتوها من بكين: “اليوم هو يوم الفرح والإثارة والأمل”. وكانت الطائرة تحمل في بطنها مليوني جرعة من اللقاحات من إنتاج شركة “سينوفاك” الصينية، هي الشحنة الأولى من شحنتين بالحجم نفسه تصلان خلال شباط (فبراير).
وقبل أيام قليلة من ذلك، كان رئيس المكسيك، أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، قد خرج من عزل “كوفيد” ليشكر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، “الحنون حقًا”، على تعهده بتقديم 24 مليون جرعة من لقاح “سبوتنيك” الذي ينتجه بلده للمكسيك في الأشهر المقبلة. وكانت الآمال في تطعيم مواطني بلاده بلقاح “فايزر” قد تبددت عندما جف الإمداد. وألقي باللوم على شركة “فايزر” عن “حالات النقص العالمية” في اللقاحات، ولكن، هنا جاءت الفرصة المثالية لبوتين ليلعب دور البطل المنقذ ويرسل رسالة إلى العالم: في أوقات الحاجة، تكون موسكو، وليس واشنطن، هي التي تنقذ الموقف.
هذه هي دبلوماسية اللقاح، اللعبة الجديدة العظيمة. وفيها، تستخدم الدول المتعطشة للتنافس مع الغرب -وخاصة أميركا- لقاحات فيروس كورونا المحلية كوسيلة لكسب النفوذ. وهي تقايض لقاحاتها بالولاء وأعمال الطاعة.
ولا يعني هذا أن هذه اللقاحات هي الأفضل في العالم: فقد سجل لقاح “سينوفاك” الصيني بعضاً من أقل معدلات الفعالية من أي لقاحات مرخصة (فقط 50.4 في المائة في إحدى التجارب)، وحتى شهر شباط (آذار)، لم يتم ترخيصه للاستخدام العام في الصين. ولم تتم الموافقة على استخدامه لمن هم في عمر أكبر من الستينيات، وربما يكون هذا أحد الأسباب التي تجعل الصينيين لا يمانعون في إرسال مئات الملايين من الجرعات إلى الخارج. وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، يمزح المستخدمون الصينيون كثيرًا: “يمكن للآخرين أن يأخذوا اللقاحات الصينية المتفوقة. أنا سأنتظر لقاح ’فايزر‘”. ويمكن لـ”سينوفارم”؛ الشركة الصينية الأخرى المنتجة للقاحات، أن تدعي فعالية بنسبة 79 في المائة للقاحاتها. لكن الدول النامية لا تمتلك ترف اختيار المكان الذي تحصل منه على لقاحاتها إذا كانت تأمل في بدء برامج تلقيح مواطنيها هذا العام.
في هذا انعطافة مذهلة للأحداث؛ لم ينس أحد بعد من أين أتى هذا الفيروس، ومع ذلك، بعد مرور عام واحد فقط، تحاول الصين تقديم نفسها على أنها الحل للوباء، وليس مصدره. وقد يرى البعض في الغرب في هذا مدعاة للضحك. ولكن، بالنسبة للبلدان الفقيرة التي قد تضطر بخلاف ذلك إلى الانتظار أشهرًا، إن لم يكن أعواما، للحصول على اللقاحات، فإن هذه خطوة مقنعة.
كانت الصين تخطط لهذا النشر العالمي للقاحات منذ أشهر. ففي وقت مبكر من الصيف الماضي، كان الرئيس، شي، يتصل هاتفياً بملك المغرب محمد السادس وزعماء العالم الآخرين، ضارباً ضربته بوخز الحقن التي كانت ما تزال قيد التطوير في ذلك الحين، مع وعد بأنها ستكون “منفعة عامة عالمية”. وبعد أن انقلب العالم ضد الصين مع الكشف عن الحجم الكامل للوباء، كانت بكين حريصة على تجنب وضعها موضع المنبوذ. وكانت المرحلة الأولى من العملية هي تسليم معدات الوقاية الشخصية (التي كان الرئيس الصربي ممتنًا لتلقيها لدرجة أنه قبَّل العلم الصيني)؛ والآن أصبح كل شيء يدور حول اللقاحات.
وفي بداية هذا العام، شرع وانغ يي، وزير الخارجية الصيني، في جولة شملت تسع دول في إفريقيا وجنوب شرق آسيا، حيث عرض حقن اللقاح والاستثمارات على الحلفاء المحتملين. ويمكن التنبؤ ببعض عملاء الصين -حلفاء سياسيين مثل باكستان (التي ستتلقى 22 مليون جرعة)، أو شركاء تجاريين مزدهرين مثل تركيا (50 مليون جرعة). وينجذب القادة الأقوياء، على وجه الخصوص، إلى هدايا بكين: في الفلبين، حيث تبرعت الصين بنصف مليون جرعة لقاح إضافة إلى تلقي طلب بـ25 مليون جرعة، تم التقاط صور للرئيس رودريغو دوتيرتي وهو يشد بود وامتنان على يد وانغ.
وفي زيمبابوي، التي تلقت الكثير من الاستثمارات الصينية في الأعوام الأخيرة، وصل تبرع بقيمة 200 ألف جرعة من اللقاحات في شباط (فبراير)، وأعلن الرئيس منانغاغوا أن بلاده “تشرّفت بشدة” بهذه الهبة. وأقرب إلى الوطن، تمكن الرئيس الصربي، فوسيتش، الذي قبَّل العلم الصيني هو الآخر، من السيطرة على ثاني أسرع انتشار للوباء في أوروبا، بفضل شحنة من لقاحات “سينوفارم”. وحتى في الاتحاد الأوروبي، يبقى نداء الحوريات المغوي للقاحات الصينية قوياً لا يقاوم. وقد أصبحت المجر أول دولة في الاتحاد الأوروبي توافق على استخدام لقاح “سينوفارم”، وقال فيكتور أوربان إنه سيختار حقنة صينية بدلاً من حقنة “فايزر” لمطعومه الخاص. وأضاف مازحاً: “يتمتع الصينيون بأطول تجربة مع هذا الفيروس، ولذلك، فإنهم الأفضل على الأرجح”. وتقرر أن تصل الشحنة الأولى إلى بلده خلال شباط (فبراير).
وليس الروس بعيدين عن الركب في اللعبة الكبيرة. باللقاح الذي سُمّي “سبوتنيك في” كرمز وطني (ما مِن أوهام حول كيفية رؤية موسكو للقاح)، يمتلك بوتين لقاحًا أفضل، والذي يجري الاعتماد عليه دولياً هو الآخر، كما تظهر استطلاعات الرأي. وقد وجدت دراسة راجعها الأقران ونشرت في مجلة “لانسيت” العلمية أن هذه اللقاحات فعالة بنسبة 91 في المائة، وهي جيدة تقريباً مثل لقاح “فايزر” الفعال بنسبة 95 في المائة.
تزعم موسكو أنها تلقت طلبات لشراء حوالي 1.2 مليار جرعة (وهو بالتأكيد رقم مبالغ فيه)، من 50 دولة وما تزال الطلبات تتوالى. وتظهر استطلاعات حول جهود الدعاية الروسية أن موسكو كانت تستهدف موزمبيق ونيجيريا وجنوب إفريقيا برسائل تنتقص من شأن اللقاحات المنافسة لـ”سبوتنيك”. وتتوقع إيران تلقي 400.000 جرعة من هذا اللقاح بحلول أواخر آذار (مارس)، الأمر الذي يثير قلق علماء البلد. وقد اشتكى خطاب مفتوح من المجلس الطبي الإيراني من أنه “يبدو أن الاعتبارات الدبلوماسية في شراء هذا اللقاح حالت دون إخضاعه للتقييم القياسي”.
كما ذهب الاتحاد الأوروبي إلى روسيا بالقبعة في اليد أيضًا. وكان يأس الكتلة -في ظل وجود تغطية من اللقاحات بنسبة 5 في المائة مقارنة بـ24 في المائة في المملكة المتحدة- واضحًا في الزيارة الأخيرة التي قام بها جوزيب بوريل، كبير الدبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي، إلى موسكو. وبدا بوريل على استعداد للتغاضي عن حملة بوتين القمعية التي يشنها على الأصوات المعارضة في مقابل تلقي جرعات اللقاح. ولم تحصل لقاحات “سبوتنيك” على الموافقة التنظيمية من قبل وكالة الأدوية الأوروبية حتى الآن، لكنَّ أوربان المجري الذي يُحسِن العَدو طلب مليوني جرعة مسبقاً. كما أن ميركل مهتمة أيضًا بلقاح “سبوتنيك”، وقد عرضت مساعدة بوتين على إنشاء وحدات إنتاج له داخل ألمانيا.
في ذروة الحرب الباردة، شكلت أكثر من 100 دولة نامية حركة عدم الانحياز، وتعهدت بالبقاء على الحياد بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة. وفي ذلك الوقت، كما هو الحال الآن، فعلت القوى العظمى كل ما في وسعها للتأثير على الولاءات. ومع انزلاق العالم الحتمي إلى حرب باردة ثانية، فإن هؤلاء الناخبين المتأرجحين هم الذين تعمل عليهم الصين وروسيا، وتفعلان كل ما في وسعهما لتقليل الدعم العالمي للعم سام. وكانت المكسيك تتطلع مسبقاً إلى تنويع تحالفاتها -وهي خطوة مذهلة من حليف قديم للولايات المتحدة. ويُحتمل كثيراً أن يزور بوتين المكسيك قبل أن يزورها جو بايدن.
في غضون ذلك، يبدو أن بريطانيا تستخدم الهند كوكيل لطرح لقاحاتها دوليًا. ويمكن للشراكة البريطانية مع معهد “المعهد الهندي للأمصال”، أكبر مصنع للقاحات في العالم، أن توفر ثقلًا تمس الحاجة إليه ضد الصين وروسيا. وينتج “المعهد الهندي” لقاح “أكسفورد” بكميات كبيرة. وبينما تركز بريطانيا على تلقيح سكانها، تقوم حكومة مودي بتوزيع هذه اللقاحات على مستوى العالم، بمباركة من بريطانيا. ولذلك، تتصارع الهند الآن مع الصين على الجيران مثل بنغلاديش وسريلانكا. كما وصلت جرعات لقاح هندية الصنع إلى جنوب إفريقيا، لكن النتائج كانت مختلطة هناك، حيث ألقت الاختبارات بظلال من الشك على فعالية اللقاح ضد السلالة المتحورة المحلية. وفي الوقت نفسه، تقدمت شركة “سبوتنيك” بالفعل بطلب لتأمين الموافقة على استخدام لقاحاتها في جنوب إفريقيا.
على الرغم من كل التقدم الذي يحرزه بوتين، فإن الصين هي التي يجب أن تُقلق الغرب. كثيراً ما يقال إن نفوذ بكين المتزايد في العالم يعود إلى القوة الصارمة: ليّ الذراع الاقتصادي والتنمر العسكري. لكن دبلوماسية اللقاح أثبتت كونها القوة الناعمة التي سعت إليها بكين لفترة طويلة. وتأمل الصين الآن في أن تنشر الدول الأخرى رسالة شي. وفي بلغراد، فعل فوتشيتش ذلك بطريقة مثالية حين قال: “لقد اصطدم العالم بجبل جليدي. ومثل تيتانيك، ينقذ الأغنياء والأكثر ثراءً أنفسهم وأحباءهم فقط”.
لكن حملة الصين قد لا تصمد: على سبيل المثال، إذا تبين أن لقاحاتها لا توفر حماية كافية. عندما ظهرت نتيجة التجربة البرازيلية الرديئة للقاح “سينوفاك”، والتي أظهرت فعالية بنسبة 50.4 في المائة، قال الرئيس بولسونارو متهكماً بمرح: “هذه الـ50 في المائة جيدة، أليس كذلك”؟ وقد اشتهر بولسونارو بمناهضة التطعيم -وقال ساخراً من إصرار شركة “فايزر” على الحصول على تعهد بعدم تحميلها المسؤولية: “إذا تحولتَ إلى تمساح، فهذه مشكلتكَ أنت”- لكنه يشك بشكل خاص في لقاح سينوفاك “بسبب أصله”. وقد رفضت تايوان أيضًا اللقاحات الصينية، وهي تتعامل الآن مع ألمانيا لمقايضة لقاحات “فايزر” بأشباه الموصلات.
وحتى الصين نفسها تقيّم لقاح “فايزر” عالياً. وقد حصلت شركة أدوية مقرها شنغهاي على 100 مليون جرعة من اللقاح الأميركي-الألماني. وأدى ذلك إلى حدوث ارتباك على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يحاول المواطنون الصينيون الفطنون أن يكتشفوا بأنفسهم ما إذا كان هذا اللقاح أفضل من الخيارات المحلية. وعندما طُلب من أحد علماء الدولة مقارنة لقاح “فايزر” باللقاحات الصينية، أجاب: “عندما يتعلق الأمر بالسيارات المحلية أو السيارات المستوردة، فأنتم تعلمون أيهما تأخذون. فلماذا لا تعرفون عندما يتعلق الأمر باللقاحات؟ لطالما كانت السيارات المستوردة شيئاً يجري السعي إلى امتلاكه ليكون رمزاً للمكانة بالنسبة للمستهلكين الصينيين المغرمين بالتباهي والتظاهر”.
إذا كان هناك خيار حقيقي في سوق حقيقية، فإن الغرب سيفوز: تظهر استطلاعات الرأي أن لقاحات شركتي “فايزر” و”أسترا-زينيكا” مفضلة على لقاحات “سينوفاك” و”سبوتنيك”. لكن الناس سيأخذون ما يمكنهم الحصول عليه. وعلى سبيل المثال، يجب على دول مثل بيرو أن تنتظر حتى أيلول (سبتمبر) لوصول جرعات “أسترا-زينيكا” (خارج بريطانيا، لا أحد يسميها “أكسفورد”) ولكن، حتى ذلك الحين، زودت “سينوفارم” بيرو بالمطاعيم. وفي الوقت الحالي، يقتصر الإحسان الذي يقدمه الغرب على إنفاق المزيد من الأموال على مبادرة “كوفاكس”، برنامج لقاحات العالم النامي الذي ترعاه منظمة الصحة العالمية، والذي كافح من أجل الانطلاق. وقد قوبلت طلبات من الهند وجنوب إفريقيا للتنازل عن براءات اختراع اللقاح للسماح بالإنتاج العالمي من أميركا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي، الذين يجادلون بأن من شأن هذا أن “يخنق الابتكار”. وربما تكون هذه فكرة عادلة، لكنها لا تبدو عظيمة، على أقل تقدير. والأكثر من ذلك، أنها تناسب رواية شي-بوتين تمامًا.
خلال الأعوام المضطربة لرئاسة دونالد ترامب، كثيراً ما اشتكى السياسيون الغربيون من أن الفوضى في واشنطن جعلت أي جهد متعدد الأطراف لاحتواء الصين مستحيلًا. لكن بايدن لا يسارع إلى ترتيب تحالف غربي: لديه بلده لتطعيم سكانه، واقتصاده الخاص ليعمل على إنعاشه وتعافيه. وفي مؤتمر السبع الكبار الذي سينعقد في كورنوال هذا الصيف، يمكننا أن نتوقع الكثير من الحديث عن تحالف “د10” D10 للديمقراطيات الذي تم تشكيله لغرض مواجهة الصين. ولكن، إذا كانت بريطانيا والولايات المتحدة جادتين، فيجب عليهما إقناع العالم بأن صداقتهما جديرة أكثر من صداقة الصين حقاً.

*Cindy Yu: هي محررة قسم البث في “ذا سبكتيتور”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Power jab: the rise of vaccine diplomacy

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock