أفكار ومواقف

سمعنا وأطعنا.. ودفعنا!

الحكومة أرادت لنا أن نفهم الأمر بالطريقة الصعبة، فنفذت ذلك. أرادته أشبه باكتشاف خيانة حبيب، أو تخلي صديق، من أجل أن تتأكد أنك وحدك بلا سند أو معين تواجه معه العالم وصلفه، ومن دون ذراع تسند مشيك.
وقد كان ذلك؛ فنحن اكتشفنا بأننا على جبهة التعليم وكلفه وحدنا فقط، ولن يتم الالتفات إلى الظرف الاستثنائي الذي يمر به المواطن اليوم جراء ارتفاع كلف الحياة، وتآكل الدخول، وتغول أطراف ومؤسسات عليه.
ثلاثة أسابيع من الخطب الرنانة، والتصريحات الحازمة التي اتحفتنا بها الحكومة ممثلة بوزارة التربية والتعليم عن الاستعداد للعام الدراسي، و»كليشيهات» كانت مناسبة جدا لـ»مانشيتات» صحف ملتزمة عن الاستعداد غير المسبوق للعام الجديد، مشفوعة باقتباسات من مثل: «لا خيار أمامنا إلا النجاح»، حتى ان دموعنا كانت تنساب بلا إرادة من أعيننا كلما ظهر لنا مسؤول وهو يحدثنا عن عامنا الدراسي الجديد الذي سيكون سمنا وعسلا!
كل ذلك كان تدليسا على المواطن الذي ينبغي له، في عرف حكومة لم تستطع إنجاز أي شي، أن يغطي خسائر قراراتها الفاشلة التي أدت إلى تردي الحال الاقتصادي للمؤسسات والشركات والأفراد، وأن يعمد كذلك إلى «ترقيع» الثوب الذي خرقته تلك القرارات، خصوصا قطاع التعليم الخاص الذي يبدو أننا مطالبون اليوم بأن نسند تعثره، رغم أنه قطاع ربح كثيرا جدا خلال عقود طويلة، ولم يتنازل عن شيء من أرباحه الفاحشة خلال أي أزمة لحقت بالمواطن.
الحكومة تسارع إلى إسعاف القطاع بتصريحات كثيرة، فخلال الأسبوعين الأخيرين، لم تدخر وزارة التربية والتعليم أي جهد لإثبات أن الدراسة في المدارس الخاصة ستكون داخل الغرف الصفية. بينما الدراسة في المدرسة الحكومية مرهونة باعتبارات الظرف الموضوعي بما يحمله هذا الظرف من بيئة وعدد.
وقبل ساعات قليلة، فقط، من بدء العام الدراسي، تتفضل علينا الحكومة بقائمة طويلة من المدارس الحكومية والخاصة التي يمنع عليها أن تبدأ عامها الدراسي، بسبب تسجيل إصابات بفيروس كورونا في تلك المناطق. عشرات المدارس شملها قرار التأجيل، وبالنسبة للحكومة فالطرف الأضعف هو المواطن الذي يمكن لها أن تحمله أي تبعية لقراراتها وإجراءاتها الفارغة.
غالبية المواطنين والمراقبين، تحدثوا عن أن الغموض الذي أدارات به وزارة التربية والتعليم والحكومة بشكل عام تصريحاته حول العام الدراسي، جاء من أجل إسناد قطاع التعليم الخاص، وعدم إفراغ مدارسه من الطلبة. وقد ظل المواطن، وعلى مدار شهور طويلة يطلب توضيحات حاسمة من الحكومة حول خططها للعام الجديد.. إلا أن ذلك لم يحدث!
بالتأكيد، نحن لا نتمنى لأي قطاع أن يتعثر، خصوصا ونحن نعلم أنه يشغل الآلاف الذين سنتضرر إن هم أضيفوا إلى قائمة العاطلين عن العمل، في بلد تعطلت قدرة اقتصاده عن تخليق فرص عمل كافية للأيدي العاملة التي تنظم إلى السوق تباعا، إضافة إلى مئات آلاف العاطلين عن العمل السابقين، والذين لم يحالفهم الحظ حتى اليوم.
نحن لا نتمنى ذلك، بالتأكيد، ولكننا نسأل الحكومة، أيضا، عن خططها بالنسبة للمواطن، ما دامت تأخذ بعين الاعتبار قطاعا مثل مستثمري قطاع التعليم الخاص، فماذا بشأن زهاء ثمانية ملايين مواطن؟!
بالتأكيد، المواطن ليس في حسابات الحكومة، فهو لا يمثل أي دوائر ضغط عليها، كما أنه لا يمتلك لوبيات مؤثرة يمكن لها أن تستدعي ولو اجتماعا واحدا في الدوار الرابع. إنه محكوم بمعادلة «السمكة الزبالة» التي تضعها في الحوض؛ من أجل تنظيف الفوضى التي تصنعها الأسماك الذهبية فقط.
هل هذه حكومة حقيقية تمثل بلدا بمؤسسات ومواطنين، أم مجرد «ائتلاف» يعرض جهده وعضلاته لقطاعات يرى أن حقها في الاستمرار والتمتع بالمزايا أكثر من حق المواطن الذي انهكته بقرارات لا يمكن لعقل أن يتصور أنه قادر على تحملها؟!
يا سيدتي الحكومة. نريد أن نطمئنك بأننا سمعنا كلامك وأطعناه.. ورضخنا له، وذهبنا إلى المدارس الخاصة، ودفعنا نقودا وشيكات مؤجلة لكي نزيد من أرصدتها، وها نحن ننتظر أوامركم لمباشرة التعليم عن بعد.. مثلما ننتظر التنفيذ القضائي.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
انتخابات 2020
41 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock