أفكار ومواقف

سم في دسم الكلام

الواضح أنه لم يتشكل لدينا حتى الآن عدد كاف من الشخصيات الحزبية والنقابية والسياسية، ممن يمتلكون خطا بيانيا واضحا، ورؤية مستنيرة، ومايزال متحزبون ونقابيون يتفاعلون مع الأحداث بالقطعة وبحسب المستجدات من دون رؤية أو هدف، أو برنامج واضح.
مثل أولئك أخالهم بعيدين عن التأسيس لأي تطور حزبي حقيقي، ذي فعل على الأرض، وبرنامج ورؤية حقيقية، تشخص المشاكل وتقدم الحلول لها، وتطرح البرامج التنفيذية لتلك الحلول، إذ إن كل ما ينتجه أولئك عبارة عن ردود فعل لما تقوم به السلطة التنفيذية، بعضه بحسب الطلب، ولم استشعر منهم حراكا حزبيا أو نقابيا مهنيا أو عماليا يشخص الواقع قبل حدوثه ويقدم حلا قابلا للتطبيق.
وقبل الاسترسال في نقد بعض القائمين على مؤسسات حزبية ونقابية، فإن النقد بالأساس موجه للسلطة التنفيذية التي لم تساهم حتى الآن في تطور الحياة الحزبية والنقابية لدينا، وماتزال تتعامل مع الأحزاب والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني باعتبارها ديكورا لتزيين المشهد، وليس شريكا يتوجب التعامل معه، فالحكومة تتعامل مع المجتمع المدني كما كانت تتعامل معه قبل عشرات السنين، بعقلية الوصي، وتعتقد أنها وحدها تمتلك حق الحل والربط، وترى أن المجتمع المدني أحزابا ونقابات وجمعيات عبارة عن مشاهد داخلية لا بد منها وكفى، والأنكى أن بعض الأحزاب والنقابات اعتادت على ذلك، وباتت تتعامل معه باعتباره أمرا مسلما به، ولم تبدِ أي تحرك لتغييره إلا ما رحم ربي.
قادني للكلام عن ذلك مطالعتي لبيانات صادرة عن أحزاب ونقابات مهنية وعمالية حول قضايا محلية جرت مؤخرا، سواء ما تعلق منها بالحادث الإرهابي الذي تعرض له جيشنا الباسل على حدودنا الشمالية الشرقية، أو ارتفاع الأسعار أو ما جرى في ذيبان، وراعني الكلام الإنشائي الذي تضمنته بعض البيانات، وكذلك انعدام الرؤية في بعضها الآخر، فتارة يتحدث أصحاب تلك البيانات عن الأفق العربي والقطر العربي، وفي فقرة أخرى تراهم يطالبون بطرد اللاجئين وتعميم فكرة اللاجئين على الجميع من دون استثناء، وغلق الحدود وخلافه من قضايا أخرى.
معرض الاستغراب من ذلك ليس ما جاء فيها من مواقف، وإنما تعارضها مع مواقف سابقة لذات الجماعة أو الحزب أو النقابة، إذ لا يمكن قبل شهر أن نتحدث ونثمن دورنا الإقليمي ونستذكره ونؤيده وندعمه، ثم بعد ذلك نطالب بطرد اللاجئين مثلا، ففي ذاك تباين ليس بعده تباين وانعدام رؤية، ومؤشر على انسداد الأفق، وعدم قدرة لدى نقابيين وحزبيين على تشكيل رؤية واضحة يمكننا نحن المتلقين أن نحاسبهم عليها لاحقا.
الأصل فيمن يتصدى للعمل العام أن يمتلك رؤية واضحة وبرنامجا يمكن محاسبته عليه، وإن كان البعض لا يستطيع امتلاك ذلك، فعليه ترك الساحة لمن يستطيع، وأن لا يعيق التطور الديمقراطي الطبيعي في المجتمع من خلال رؤية غير واقعية وبيانات تتضمن خزعبلات، وبالتالي اختلاط الحابل بالنابل، وضياع الفكرة وتقزيم العمل النقابي والحزبي، وخلق حالة صد لدى المتلقّي.
مثل أولئك من شأنهم خلق حالة شد سلبي لأسفل بحيث لا يتطور العمل الحزبي أو النقابي، ويبقى في المربع الأول من دون تطور ومن دون مراجعة، ومن دون أن يكون للعمل العام القدرة على خلق حالة نوعية متطورة تؤسس لفكر ديمقراطي وبرامج عميقة يمكن البناء عليها لاحقا.
في كل الأحوال فإن الدولة والسلطة التنفيذية معنية في المقام الرئيس بتنقية الساحة من بعض المتسلقين والتصدي لهم، وعدم السماح لهم بتسميم الأفق بأفكار شاذة وبيانات تحمل في طياتها أفكارا إما إقليمية أو غير سياسية، وعدم تركهم يدسون سم كلامهم في دسم أي تطور ديمقراطي نسعى إليه.
فالعمل الحزبي والنقابي يقوم على أساس الدولة المدنية دولة المؤسسات والقانون والمواطنة، وليس دولة الفزعات العشائرية أو الإثنية أو المناطقية، وأعتقد أن على الدولة رصد مثل أولئك الذين يذهبون هذا المذهب والتصدي لهم، فالدولة المدنية الديمقراطية هي التي تضمن لنا عبور عباب الأزمات والتخلص من الأفكار الرجعية والانغلاقية.

انتخابات 2020
25 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock