تحليل إخباري

سنظل حراسا للذاكرة والفكرة- نحو مئوية ثانية ونحن مسكونون بالحلم والأمل

العين هيفاء نجار

سنة 2021 ليست كغيرها من السنوات، إذ إنها شاهدة على مرور قرن من الزمان على ميلاد الدولة الأردنية، ففي ربيع هذه السنة سنضيء ملايين الشموع للاحتفاء بمئوية الوطن، ولكنها حتماً أقل من تلك الشموع التي أنارها الوطن من أجل رسالة الحرية والعدالة والدفاع عن معاني الإنسان. هذا الوطن المجبول ترابه بدماء شهداء الواجب وحبات عرق أبنائه وبناته الذين قدموا وما يزالون يقدمون من أجل إخصاب هذه الأرض، وحماية هويتنا الوطنية واستقلالنا وسيادتنا.
لا شك أن الشعب الأردني المكافح محظوظ بقيادته، التي نستلهم منها – منذ جلالة الملك عبد الله الأول وحتى جلالة الملك عبد الله الثاني – اجتراح المعجزات التي ذللت كل الصعاب من أجل إرساء دولة أخذت على عاتقها الدفاع عن إنسانية الإنسان، وتوفير كل السبل من أجل أن يبدع وتلامس طموحاته عنان السماء. صهرت مكونات المجتمع المتعددة في بوتقة الوطن فغدا الجميع أردنياً لا فرق بين أحد منهم. ودافعت عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وحماية مقدساته، وقدمت الشهداء الذين ما تزال دماؤهم خضراء ندية على أسوار القدس وغيرها من المدن، وتحملت ثمن المواقف المشرفة على مدى أكثر من سبعة عقود. وتجاوزت إثم الظن من قبل البعض من الأشقاء وواصلت مسيرة التآخي وهي تسند الجهات على الجهات، وترشد العصور إلى حكمتها في الزمان والمدى، فرسمت فتنة التاريخ وشماً وندى.
مائة عام ليست تاريخاً ثرى فحسب، ولا هي مسيرة مميزة فقط، بل هي حضارة وثقافة ورموز ومنجزات، كانت ضوءاً ساطعاً في ليل التاريخ فأسست لدولة مدنية ونهضة عصرية، ليغدو الأردن الذي هو بحجم بعض الورد أردن البناء والريادة والإبداع. ولأن رحلة البناء مستمرة، والإصرار على المضي قدماً راسخ فينا، فعلينا أن نواصل العمل بشغف وانتماء من أجل نماء الأردن ونهضته وحمايته. أن نحافظ على المنجزات ونبني عليها، وأن نحتفي بقصص النجاح ونتبناها ونشجعها، وننقد أنفسنا وأعمالنا بشكل منفتح، ونسائل المقصرين، نجفف منابع اليأس ونزرع بذور الأمل أينما كان، لنخطو خطوات واثقة نحو حياة أكثر بهاء وجمالاً.
إننا نمتلك مشروعاً نهضوياً تنموياً أساسه الدستور الأردني الذي ينطلق من العدالة والمساواة، وصون حقوق الإنسان الأردني، ورعاية عافيته من كافة الجوانب. لقد أسست أركان هذا المشروع الوطني الشمولي رؤى جلالة الملك عبد الله الثاني من خلال أوراقه النقاشية السبع، وخطاباته ومداخلاته العديدة، ولعل الورقة السابعة تعد مرجعية في غاية الأهمية لبناء الوطن ونهضته، فهي تعنى ببناء قدراتنا البشرية وتطوير العملية التعليمية، وهذا بلا شك رافعتنا نحو المستقبل الذي نرنو إليه. لذلك كله فنحن المدججين بنور مائة عام من البناء، سنظل منذورين للدفاع عن رسالة الوطن، وسنظل حراساً للذاكرة والفكرة، وسنعمل ما وسعنا بمحبة وتشاركية، وستبقى خميرة البدايات فينا تنضج في مستقبل ولا أجمل.
لا يكفي أن نتغنى بالماضي، ونعيد سرد ما فعله الآخرون، وعلينا أن نكف عن تأجيل النظر إلى المستقبل كي لا يصبح أحد أسماء الماضي، بل علينا أن نعيد الروح إلى مشروعنا الوطني الشمولي بالعمل والأمل، بالجهد والتفاؤل، بالتعب والمحبة، بالمديح والنقد، بالتشجيع والمساءلة، ليظل الأردن مساحة إنتاج دائمة في مختلف الميادين، ومجال حي للإبداع والابتكار، وفضاء تتداخل فيه الأصالة بالحداثة، والتراث بالمنجز الحديث.
لنا الماضي والحاضر والمستقبل في الأردن … في هذا الوطن الغالي، الذي يتحفز لكتابة تاريخ جديد، يكتبه هو بنفسه، لذا لن نعرف الوهن ولن ينال منا اليأس أو التعب. سنظل نحلم ونسيج المدى المفتوح بالحلم والعمل، ففي الأردن طاقات جبارة وينابيع من الإبداع قادرة على جعل الأردن يخطو نحو المئوية الثانية بثقة وطموح كبير، لنجعل منه وطناً أكثر نماءً وجمالاً وبهاءً. حمى الله الأردن وبناته وأبناءه… وكل عام والجميع بألف خير.

*المديرة العامة للأهلية والمطران

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock