أفكار ومواقف

سوء تفاهم مع الحياة!

يبدو أنَّ الصيفَ قد جاء أخيراً. هناك أكثر من دليل على ذلك؛ فالإذاعاتُ كلها رفعتْ أغنيات الشتاء على “السدَّة”، واستبدلتْها بأخرى “من السوق مباشرة”.. أغنيات كلماتها لها مزاجٌ “حار”، بعضها يفيدُ أنَّ الحبَّ “نار” وأشياء أخرى سريعة الاشتعال، وفي بعضها يُبدي الحبيبُ رغبَةً صادقَةً في الذهاب إلى الجحيم، أو ما يعادله دنيوياً، لو أنَّ حبيبته ذهبَتْ لرجل مطريٍّ..؛ وهذه الإشارة الوحيدة أنه كان ثمة شتاء، فكلُّ الإذاعات تروِّجُ أنَّ الجوَّ “بديع” وينبغي أنْ “نقفل” بإحكام على كلِّ المواضيع!
ويبنغي أيضا، كما تقول الإذاعات، أنْ نبدأ من جديد، ونردِّدَ مع مذيعَةٍ الفقرَةِ الصباحيَّةِ “صافي يا لبَنْ”، ونلعَنَ مع مذيع موجز الثانية عشرة تماماً “الشيطان وساعته”، ونغنِّي مع “اللواء محمد عبد الوهاب” بشجَنٍ يقتضيه فقط انفعال الغناء “عندما يأتي المساء”، ولا نحمِّلُ تساؤله غير البريء:”متى نجميَ يظهر عندما تبدو النجوم في السما”، أيّ محمولٍ لا يتعلقُ بالمرأة التي تتيحُ لنا أكثر من إذاعة أنْ نشكوها لمذيع لبنانيٍّ “تالي الليل”، ثمَّ يعقِّبُ مطربٌ محلي بأغنيةٍ تراثيَّة تقول إنَّ من فرط ثقل خطواته وتكرارها في المشي إليها (المرأة لا أكثر) فإنَّ جسرَ الحديد بصلابته قد قُطِعَ!
هكذا يبدأ فصلٌ جديدٌ كأنَّ شيئاً لم يكُنْ، وكأنَّ “الربيع” كانَ مجرَّدَ فصل عربيّ قصيرٍ، بدلاً من أنْ يتبدَّلَ فيه جلد الأرض، تمَّت إعادة إنتاج الناس؛ فمات كثيرون منهم فقط لأنَّ “الشيطان شاطر”، وولد آخرون “لملْء الفراغ” في صناديق الاقتراع. يعود الصيفُ بحرارة “أعلى من معدَّلها السنويِّ”، كما صرَّحَ بذلك معارضٌ على قناة معارضة، لكنَّ الوزيرَ الذي ظهر على الشاشة المحلية المحدودة الانتشار، قال “بمنتهى الوضوح” إنَّ ما جرى في “الربيع” و”الشتاء” لم يكن أكثر من”سحابة صيف”، وينظر لأعلى بمقدار “نظره” كاملاً، وتكونُ في السماء غيمة خفيفة كسولة يتبعها المُخرجُ التلفزيوني “النبيه”، ليؤكِّدَ دقة “معاليه” و”بُعد نظره”!
يبدو أنَّ الصيفَ قد عاد بالفعل، بدليلِ أنَّ خمسة “كروت” رديئة التصميم دعَتْني و”العائلة الكريمة” إلى أعراس تقامُ من جملة الإحساس بالفرح. وينبغي أنْ أستجيبَ لدعواتهم وأصطحِبَ معي جزءاً من العائلة التي لم تعد تتمتعُ بالكرامة إلى صالة “الأفراح” التي تصدِّرُ الكآبة الزوجيَّة فيما بعد. نتفاعلُ مع المغنِّي ذي الصوت الرَّديء، ونأكلُ قطعة “الكيك” المغشوشَةِ البياض، ونشربُ المشروب الفارغ من الغازات؛ وأصعَد بوصفي ربّ العائلة لـ “تنقيط” العريس، من باب ردِّ الديْن لا أكثر، ثمَّ أنخرطُ في “الدبكة” مع كلِّ الذين صدَّقوا ما ورَدَ في الإذاعة الرسمية بأنَّ “الحياة حلوة بَسْ نفهمها”؛ وجاؤوا إلى هنا تحديداً ليفهموها!
هذا هو فصل التكاثر البشريِّ قد عاد “هُنا” بالتزامن مع ارتفاع الأسعار، ومثابَرَة الحكومة على مزيدٍ من الرفع، لتصبحَ “الحياة نار”، و”الغلاء يَغْلي”، بما يسمحُ بهوة واسعة بين الطبقات: أولى فعاشرة. ويعودُ الصيف هناك بالتزامن مع حلول موسم الجنائز، فمَنْ فاته تشييع “الحولة”، يستطيعُ تأدية أكمل الواجب في “الرستن”..؛ فكلُّ دعوات الموت في “سورية” وبلاد الربيع مستجابة، وعلى السادة العرب المستمعين لكلِّ الموجات على الأثير تصديق أنّ الصيفَ عاد حتى وإنْ لم تعد “الشام”!
اليومَ خرجتُ صباحاً لأشاهِدَ الشمسَ بوضوح. كانت الإذاعة تصرُّ على أن “الحياة حلوة”، وأنني شخصيا، كما قالت المذيعة بوصفي أخاها المواطن، أحتاجُ إلى بعض الجهد العقليِّ لأفهمها. وبصراحة لم أخيِّب ظنَّها، واستغلَّيْت فترة التوقف لتعبئة السيارة الحديثة بالبنزين، لإزالة سوء التفاهم مع الحياة، وبدا أنَّني تنازلتُ كثيراً، حين عبَّاتُ السيارة ببنزين “90” الرخيص، ومشيْتُ لأبرهِنَ لـ “الأخت” المذيعة أنني رجلٌ “خيِّر” أغيِّرُ مواقفي بمنتهى الليونة. ثمَّ واصلتُ المشيَ مواطناً جديداً حتى جاءت أغنية “فيروز” عن “هالسيارة اللي مش عم تمشي”..؛ وبالفعل تعطَّلَ السيْر كله!

[email protected]

تعليق واحد

  1. بس نفهمها
    اسلوب طرحك :صدقوا ان الحياة حلوة" انك ما بتؤمن بطاقة الجذب!! تجدب سعادتك في حال فكرة بانك سعيد

  2. ستعود الشام مع الصيف
    للشـــــام من قلمك – أيها الحرّ – وافر النصـــيب ..حتى وان شـــرّقتَ بنا وغـــرّبتَ فلابدّ أن تعــــود معنا .. نعم سنعود معا كما ســــتعود الشــــام بصـــيفها وشــــتائها بفراتها وعاصــــيها بفيحائها وشـــهبائها..ســـتعود ترفل بثوب الحرية والنصــــر كاســــرةً قيد العبودية والاســــتبداد في يوم عســــاه يكون قريبا.. (نادرٌ أنتَ كاِسمك).

  3. هالسيارة مش عم تمشي
    تفاصيل ورا تفاصيل ونحن نتابعك كلمة بكلمة وحرف بحرف نتابع ماذا سيجري لنا في هذا الصيف وفي الاخير تقول لنا السيدة فيروز هالسيارة مش عم تمشي

  4. هذا هو فصل التكاثر البشري قد عاد
    جميل جداااااااااا من اروع ما قرات في وصف هذه المناسبات

  5. بس نفهمها!!
    الحياة حلوة بس نفهمها !!! على قولت فريد الاطرش … مقال جميل استاذ نادر 🙂

  6. سوء تفاهم مع الحياة
    الحياة حلوه بس قرروا ما يتركونا نعيشها من تشييع بالحوله والرستن والان طرابلس الله يفرجها على الجميع

  7. الله ما اجملها من عبارة
    يبدو أن الصيف قد عاد بالفعل بدليلِ أن خمسة كروت رديئة التصميم دعَتْني والعائلة الكريمة إلى أعراس تقام من جملة الإحساس بالفرح. وينبغي أن أستجيب لدعواتهم وأصطحب معي جزءاً من العائلة التي لم تعد تتمتعُ بالكرامة إلى صالة الأفراح التي تصدر الكآبة الزوجية فيما بعد. نتفاعل مع المغني ذي الصوت الرديء، ونأكل قطعة الكيك المغشوشة البياض، ونشرب المشروب الفارغ من الغازات؛ وأصعد بوصفي رب العائلة لتنقيط العريس، من باب رد الديْن لا أكثر، ثم أنخرط في الدبكة مع كل الذين صدقوا ما ورد في الإذاعة الرسمية بأن الحياة حلوة بس نفهمها، وجاؤوا إلى هنا تحديدا ليفهموها!

  8. هذا المواطن
    على المواطن الاردني ان يحمل اربعه وجوه واكثر لكي يتعامل مع من حوله ؟؟؟

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock