فكر وأديان

سورة الشورى: ارتباط الاسم بالموضوع

د. محمد المجالي

موضوع علاقة اسم السورة بموضوعها مهم، لأنه يتطرق إلى هوية كل سورة من سور القرآن، وهل كانت أسماء السور مجرد عناوين عامة؟ أم أن هناك علاقة وطيدة بين الأسماء والموضوعات، والذي رجحه كثير من العلماء أن اسم السورة ذو علاقة قوية بموضوعها الرئيس، ووحدتها الموضوعية، فلا يمكن أن يكون الاسم شيئا عابرا كما هي عبارات بعض السابقين في سبب التسمية، أن يقول أحدهم مثلا: سميت بكذا لورود قصتها في السورة! فلا بد من الكشف عن العلاقة القوية بين الاسم والموضوع، وكيف تُشكّل كل سورة منظومة متكاملة من العلاقات ترتبط باسم السورة، وهذا كله يسهم في الكشف عن روعة القرآن وإعجازه.
لقد كانت هناك جهود كبيرة للعلماء في الكشف عن هذه العلاقات، والبحث عن مقاصد السور، يقول السيوطي: “إن الحكمة في تسوير القرآن سورا تحقيق كون السورة بمجردها معجزة وآية من آيات الله، والإشارة إلى أنّ كُلَّ سورةٍ نَمَطٌ مستقلٌّ، فسورة يوسف تترجم عن قصّته، وسورة براءة تترجم عن أحوال المنافقين وأسرارهم، إلى غير ذلك”.
وهذا ما أَكَّدَهُ البقاعيُّ حينَ أوضح أنّ “اسمَ كل سورة مترجم عن مقصودها؛ لأنّ اسم كل شيء تظهر المناسبة بينه وبين مسمَّاهُ عنوانِهِ الدالِّ إجمالًا على تفصيل ما فيه.. ومقصودُ كل سورة هادٍ إلى تناسبها”.
جاء ذكر الشورى بين أوصاف ذكرها الله للمؤمنين، فلماذا تم اختيار الشورى هنا دون غيرها من الأسماء؟ وهل تشكل السورة منظومة داعمة لمفهوم الشورى وشروطها ودوافعها وبعض متطلباتها؟ مع العلم أن لفظ الشورى جاء هنا وفي سورة آل عمران فقط، ولا توجد تفاصيل متعلقة بها، والذي جاء في سورة آل عمران هو الأمر للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يشاور المؤمنين: “وشاورهم في الأمر”، والسياق كان عن غزوة أحد، فلم يُذكَر شيء عن التفاصيل، إنما جاء في سورة الشورى المسماة هكذا شيء من معالمها وأسسها.
جاءت سورة الشورى بين سورتي: فصلت والزخرف، أما سورة (فصلت) فهي مرتبطة من اسمها بالقرآن: “كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون”، وفيها تفصيل عن القرآن، وحديث عن بدء الخلق، وعن أقوام عتوا وتجبروا، والمصير الأخروي المحتوم، أما السورة بعدها؛ وهي (الزخرف)، فهي أيضا من اسمها ركزت على زخرف الحياة الدنيا، وما ينشغل الناس به في ظاهر زينة الحياة، على حساب الأمور الأهم، ولعل القرآن بالذات يرسم معالم الطريق، فجاء في السورة نفسها: “فاستمسك بالذي أوحي إليك، إنك على صراط مستقيم، وإنه لذكر لك ولقومك، وسوف تُسألون”.
أما هذه السورة (الشورى)، فهي بين هاتين السورتين، كلها تحدثت عن القرآن، وأهميته في الحياة، ولكن الاسم أيضا له دلالته، فهي (الشورى)، ولا شك أنها ترسم أطرا أو معالم أو خصائص لموضوع الشورى الذي لم يُفصَّل في الإسلام عن قصد، لأنه مسألة متجددة مرنة، ولكن لا بد له من ضوابط ومجالات من الضروري الانتباه إليها، فلم تسمّ هذه السورة بالشورى عبثا، فلا بد من وجود ما يدل على الاسم.
افتتحت السورة بالثناء على الله تعالى وبيان بديع صنعه، والتأكيد على الولاء لله، وعِظم شأن القرآن، وسنة الاختلاف بين البشر، وترابط رسالات الأنبياء، وذكر أولي العزم من الرسل، والأمر بالاستقامة والبعد عن الهوى، والأمر بالعدل والميزان، والتذكير بالآخرة، والحديث عن الظلم والظالمين ومصيرهم ومصير المؤمنين، وسنته تعالى في الرزق والابتلاء، وآثار رحمته ونعمه.
ثم شرعت الآيات في بيان صفات المؤمنين خاصة، من التوكل على الله، واجتناب الكبائر، والحِلم، والانقياد لحكم الله، وإقام الصلاة، وأن أمرهم شورى بينهم، وينفقون مما رزقهم الله، ولا ينتصرون لأنفسهم عصبية، بل إن أصابهم البغي، وحث على الصفح، فهي صفات لا يستطيعها أي إنسان، ولا بد من ملاحظتها عموما، ولأهل الشورى خصوصا، لأنهم لا يعيشون لأنفسهم، بل لأمتهم والإنسانية كلها.
ومرة أخرى تتحدث الآيات عن الآخرة والمصير، مع تركيز على لفظ الظالمين، ولا شك أن التذكير بالمآل أمر مهم، حتى يخلص الإنسان في مسؤوليته، ولا يزيغ عن الجادة، فهو إلى الله راجع، ومحاسبه على كل صغيرة وكبيرة، فيدفعه ذلك إلى الإتقان والإحسان، والثبات على المبادئ لا مجرد مراعاة المصالح.
وفي آخر السورة حديث عن أنواع الوحي، وأوصاف القرآن من روح ونور وهدى، وتختم بـ: “وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم، صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض، ألا إلى الله تصير الأمور”.
نلحظ هنا من دون تردد، حشد هذه القيم والطاعات من أجل مبدأ الشورى، فليس عبثا ذكر الولاء الخالص لله، وذكر القرآن في أولها وآخرها، فهي آكد صفات أهل الشورى، مع الصلاة والزكاة والحلم والعدل، حيث الحكمة والصفاء، وليس عبثا ذكر أولي العزم هنا في الشورى، فهي بحاجة إلى عزم، وكذلك التنوير ببعض سننه تعالى ومنها خلق الناس مختلفين، فهي تهيئة لمهمة الشورى.
وهكذا نرى كيف أن السورة خدمت عنصرا مهما من عناصر سياسة الناس وإدارة شؤونهم، فهي الشورى التي يشترك الناس من خلالها في تحمل المسؤولية، كي يرتقي المجتمع في طاعة الله تعالى.
أنّى وجدنا الظلم، أو انهيار أخلاق المجتمع، أو غياب المسؤولية، أو انتشار الفساد بأنواعه، خاصة ما يقوّض بنيان الدولة وينقص من هيبتها، أو رضوخ أي دولة لغيرها والائتمار بأمرها، فاعلموا أن هناك خللا ما في نظام الشورى، وهو بلا شك سيؤدي إلى أحد أشكال الطغيان وما يسمى بالديكتاتورية، والدول التي تحترم نفسها تشرك أهل الاختصاص جميعا في الرأي والقرار، وهنا يتبين من هو الساعي حقا لرفعة وطنه، وعزته ونهضته.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock