أفكار ومواقف

سورية بين القيصرين…

إلى جانب تواجد القيصر الروسي على الاراضي السورية وإسهام جنوده في حماية النظام وامداده بطوق النجاة عملت الماكنة الاستعمارية الأميركية على إنتاج قيصر جديد بثوب انساني وهيأته لدخول سورية وربما انهاء المشهد بالضربة القاضية. القيصر الاميركي الجديد هو مشروع قانون قيصر نسبة الى احد المصورين السوريين الذي التقط اكثر من عشرة الاف صورة لمدنيين جرى تعذيبهم من قبل النظام السوري في الفترة الواقعة بين 2011-2014 ورأى العديد من الناشطين ودعاة حقوق الانسان ضرورة الانتصار لحقوق المعذبين وعقاب النظام السوري على جرائمه.
النظام السوري الذي ظن الكثير من المراقبين انه تجاوز الايام الاصعب يواجه اليوم مطبات جديدة وتعقيدات لم يعتقد أحد بأنها قد تكون القشة التي ستقصم ظهر البعير. فبعد اقل من اسبوع ومع حلول منتصف الشهر الحالي ستبدأ الولايات المتحدة بفرض رزمة العقوبات التي وضعت للحد من نشاط النظام وتقييد علاقته بالحلفاء الروس والايرانيين والتضييق على الشركات والمستثمرين في ميادين الطاقة والبنى التحتية وإضعاف العلاقات والصلات التجارية والحظر على انشطة واموال العديد من الشخصيات والرموز المرتبطة بالنظام بما في ذلك الاسد والشخصيات المقربة منه وغيرها من الاجراءات الهادفة لتقويض النظام ودفعه للتهاوي.
الإجراءات التي تم صياغتها من قبل لجنة متخصصة من النواب “مشروع قانون قيصر لحماية المدنيين” وتأخر النظر فيها وتبنيها رسميا تأتي على هيئة بنود في استراتيجية وخطة الدفاع لعام 2020 ويسري تطبيقها ابتداء من منتصف حزيران من هذا العام.
تطبيق بنود الضغط الواردة في الاستراتيجية الاميركية ينذر بمشكلات كبيرة ليس اقلها تدهور الليرة السورية التي تهاوت خلال الايام القليلة الماضية الى مستويات تثير الهلع وتبعث على مزيد من الفوضى. تطبيق بنود الوثيقة سيعيد سورية التي تعاني الى الوراء بعدما كانت أحد البلدان القليلة في العالم التي نجحت في الوصول الى المستوى الذي مكنها من أن تأكل مما تزرع ويلبس اهلها مما تصنع ويخلو سجلها من الديون الخارجية.
البعض يرى في التطبيق القادم لقانون قيصر الاميركي اشارة الى تلاقي رغبة القوتين الاميركية والروسية على الاطاحة بالنظام واستبداله او فرض مخطط جديد على نظام بلا قوة او حلفاء. اصحاب هذه النظرة يستشهدون بحالة الانشقاق التي يشهدها النظام والتراجع والبرود الذي يسود العلاقات مع الحلفاء الروس والايرانيين .
المدهش فيما يحدث اليوم ان اميركا التي تتصدى لعقاب سورية تعاني من نفس المشاكل التي اتخذت منها سببا للتشريع والتدخل. فمنذ ايام والاعلام العالمي منشغل بصور ومشاهد المطاردة والتعذيب والخنق واصوات الاستغاثة التي اطلقها جورج فلويد “لا أستطيع التنفس…لا أستطيع التنفس” والدقائق التي أمضاها وهو يلفظ انفاسه الاخيرة قبل ان ينهض الشرطي الجاثم على عنقه بلا خوف او وجل او رحمة.
فقد تسببت في مصائب وويلات الكثير من شعوب فدمرت الانظمة وقتلت الابرياء ونهبت الثروات وشردت الشعوب وتسببت في حالة من الفوضى والارباك الذي يصعب التخلص منه .
الطريقة التي تعامل فيها الرئيس دونالد ترامب مع حادثة القتل بالاستخدام المفرط للعنف من قبل الشرطة وانكار الرئيس لحق المواطن الاميركي على الاحتجاج والتعبير عن الغضب لا يختلف كثيرا عن ما يقوم به الطغاة والمستبدون في ارجاء العالم العربي والنامي. وفي دعوة الرئيس ترامب حكام الولايات لاستخدام مستوى اكبرمن القوة وتبنيه لخطاب تمييزي ما يجعله زعيما مستبدا يرتدي قناعا خادعا من الديمقراطية والانسانية والزيف.
الاتهام العلني للمحتجين والمساندين للحقوق المدنية بالعمل ضد مصلحة البلاد إشارة إلى النظرة الاستعلائية العنصرية وسبب كاف لغضب الشارع ورفض السياسات ومعارضة الاوامر وخروج القيادات عن تقاليد الالتفاف حول الرئيس بصفته القائد كما فعل الجنرال مولن باول الوزير والقائد الاسبق للقوات الاميركية
في التحالف القوي بين النظام الرأسمالي ووجهه الانساني المستعار الذي يخفي خلف قناعه الكثير من العنصرية والتعصب والازدراء للامم والشعوب والاديان الواقعة خارج حدودها التقليدية. الدمار الذي لحق بالعراق وسورية والسودان وليبيا وايران وافغانستان وعشرات البلدان الاسلامية كان عملا منظما تبنته الولايات المتحدة وساهم في انجازه شركاؤها وعملاؤها، كل ذلك بهدف تدمير القوة ونشر التخلف وتوسيع دائرة التبعية وتحت غطاء حماية الحريات ونشر الديمقراطية وسيل الدعاوى والاكاذيب التي يروج لها الوكلاء والمتعاونون.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock