ترجمات

سورية ستكون “فيتنام” تركيا

أومت أوزكرملو* – (أحوال تركية) 12/10/2019

“القوات المسلحة التركية أطلقت عملية عسكرية عابرة للحدود”.
هذه هي الجملة الوحيدة التي يمكن وصفها بـ”الصحيحة” فيما يتعلق بما يسمى عملية “نبع السلام” العسكرية التركية التي انطلقت يوم الأربعاء في الأسبوع الماضي على الأراضي السورية. وكل ما يُساق غير هذه الجملة في هذا الصدد قابل للنقاش والأخذ والرد.
فعلى سبيل المثال؛ يقال إن هدف هذه العملية العسكرية هو إنشاء منطقة آمنة في الشمال السوري، وإسكان جزء من حوالي ثلاثة ملايين من اللاجئين السوريين الذين تستضيفهم تركيا حالياً في هذه المنطقة. هذا هو الجزء المعلن رسمياً على أقل تقدير. وهناك من يقول أن أهداف العملية هي القضاء على التهديدات الخارجية التي تستهدف تركيا، واجتثاث “داعش” من جذوره.
وبحسب المصادر الرسمية، فإن الولايات المتحدة تدعم العملية التركية في سورية. ويقدم قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بسحب قوات بلاده من الأراضي السورية دليلاً على ذلك.
لكن أحداً لا يتحدث عن البلدان الأخرى التي تتصارع في المنطقة، وردود فعل المجتمع الدولي المحتملة، والدماء التي ستُهدر، والأعباء المادية التي ستترتب على العملية.
لا أعلم إذا كان هناك من يعتقد بصحة هذه الأكاذيب -إذا استثنينا مؤيدي حزب العدالة والتنمية الحاكم والفئات القومية- إلا أننا نريد أن نقول بعض الحقائق حتى تكون شهادة للتاريخ وحجة لنا في الآخرة. ففي واقع الأمر، لم يعد هناك أي جدوى مما يوجَّه من التحذيرات في هذا المضمار سوى الشهادة للتاريخ.

أولاً: إن الهدف الحقيقي من العملية هو القضاء على حزب الاتحاد الكردي السوري الذي سيطر على الشمال السوري عقب اندلاع الحرب الأهلية، ومنطقة “روجافا” الكردية المتمتعة بالحكم الذاتي. وبناء على ذلك، ‏فإن العدو ليس “داعش” ولا النظام السوري، وإنما الأكراد.
وكما بيّن صالح مسلم، زعيم الحزب الديمقراطي السوري الكردي السابق، أكثر من مرة، ‏فإن أكراد سورية لا ينوون تهديد تركيا. ‏وحتى لو كانت لديهم هذه النية، فإنهم لا يمتلكون الدعم الدولي والقوة العسكرية اللازمة لتحقيق ذلك. وحتى لو أشرتم في هذا السياق إلى العلاقة بين الحزب الكردي السوري وحزب العمال الكردستاني ذي المليشيات المسلحة، فإن هذه العلاقة ليست جديدة، وإنما معروفة منذ العام 2003 حين تأسس الحزب الكردي السوري. وفي غضون تلك الفترة، أي منذ ذلك العام، تعرّض حزب العمال الكردستاني في تركيا إلى هزيمة من الناحية العسكرية على أقل تقدير.
أضف إلى ذلك أن جميع الدول الغربية تقريباً ‏تصنف حزب العمال الكردستاني ضمن التنظيمات الإرهابية، غير أنها لا ترى الحزب الكردي السوري تنظيما إرهابياً. بل على عكس ذلك، هو حليف للدول الغربية في حربها ضد تنظيم “داعش”، كما يعلم الجميع.
وهذا يعني أن تركيا تعلن الحرب على كيان يحصل على دعم غير مباشر من الغرب، بما فيه السلاح. وما يزيد الطين بلة أنها تدير هذه الحرب ضد هذا الكيان من خلال احتلال أراض أجنبية.
ثانيًا: الهدف الآخر للعملية هو التأثير في التطورات التي تشهدها الساحة السياسة في الداخل التركي. فكما أظهرت الانتخابات المحلية الأخيرة، فإن نسبة الدعم الشعبي لحزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان تشهد تراجعاً بحيث يبدو من الصعوبة بمكان أن يحصل على نصف أصوات المواطنين (50 %؜) في الانتخابات الرئاسية القادمة المزمع إجراؤها في العام 2023. ولهذا فتح الحزب الحاكم إمكانية خفض نسبة الدعم اللازمة للرئاسة إلى 40+1 للنقاش في الآونة الأخيرة.
وكذلك أصبح من غير الممكن التستر على المؤشرات الاقتصادية السيئة، حيث تحاول السلطة السياسية بشكل علني التلاعب في المعطيات الاقتصادية الأساسية من أجل الإيهام بأن كل شيء على ما يرام. وكما هو دأب كل الأنظمة المستبدة، فإن الإرادة السياسية التي تحكم تركيا اليوم تسعى إلى إنقاذ نفسها من خلال اختلاق أزمة خارجية.
ثالثًا: لا يُعرف مدى الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة لهذه العملية. ولندع جانبًا الرئيس ترامب الذي من الظاهر أنه يعاني من اختلال عقلي ونفسي، وما يطلقه من تهديدات عبر تويتر. لكننا نعلم أن البنتاغون لا يدعم هذه العملية، ويبعث الكونغرس الأميركي رسائل مشابهة.
كما أعلنت روسيا وإيران أنهما تعارضان العملية التركية على الأراضي السورية. أما النظام السوري، فيرى هذه العملية احتلالاً لأراضيه في الأساس. أضف إلى ذلك أيضاً حزب الله اللبناني والأوساط الداعمة للنظام السوري وبعض المجموعات المرتبطة بتنظيم “داعش”.
إن تركيا لا تخوض حرباً ضد الأكراد فقط، وإنما تحارب عدة دول والعديد من المجموعات التي لا نعرف حجمها وقوتها العسكرية.
رابعاً: هذه الحرب لا يمكن مقارنتها بالاستيلاء على مدينة عفرين. ذلك أن الأكراد كانوا يقاتلون حينها تنظيم “داعش”، ولم يكن نظام الأسد يشعر بالثقة الذاتية كما يفعل اليوم. وكانت روسيا وإيران قد فضّلتا في ذلك الوقت عدم التحدث عن المسألة، مما سمح للقوات المدعومة من تركيا باحتلال عفرين من دون صعوبة تذكر. ولكن، بعد سيطرة هذه القوات على عفرين ازدادت انتهاكات حقوق الإنسان الموثقة من قبل منظمات الحقوق الدولية، وكذلك زادت الهجرة نحو الأراضي الواقعة تحت حكم النظام السوري من جانب، ونحو تركيا من جانب آخر.
هذه المرة تعتزم تركيا الاستيلاء على أراضٍ أكثر اتساعاً تحمل دلالة رمزية بالنسبة للأكراد. زد على ذلك أن هذه المنطقة مساحة جغرافية خاصة بالأكراد ويعيشون فيها منذ زمن ويحلمون بإقامة حكم ذاتي لأنفسهم فيها. وإذا أردتم إدراك دلالة هذا، يكفي تذكُّر مقاومة مدينة كوباني، تلك المدينة التي هاجمها “داعش” في 16 أيلول (سبتمبر) 2014، لكنه فشل في الاستيلاء عليها على الرغم من الحصار الذي استمر 130 يوماً.
خلاصة القول؛ إن هذه الحرب لا تستهدف الدفاع عن النفس وإنما هي عبارة عن احتلال. وسوف يدافع الشعب الذي يراد القضاء عليه عن نفسه بكل ما يملك من قوة مادية ومعنوية. وسوف يتعرض الطرفان على الأغلب إلى خسائر كبيرة. وقد تنضم إلى الحرب قوى أخرى، مما سيؤدي إلى تفاقم تكلفة العملية المادية والمعنوية، وقد تتسع دائرة الحرب لتكسب أبعاداً إقليمية. وفي غضون ذلك ستواجه تركيا مقاطعة ومعاقبة إقليمية ودولية، لينتهي الأمر بانهيار الاقتصاد التركي الهشّ أصلاً، وستشهد عمليات النزوح والهجرة زخمًا واتساعًا.
وإذا أقدمت تركيا ودول المنطقة الأخرى على اتخاذ تدابير للحيلولة دون النزوح فإن الحدود ستشهد مأساة إنسانية كبيرة. وفي هذه الحالة ستصبح سورية “فيتنام” بالنسبة لتركيا وليس “فوكلاند”، وستصطبغ حياتنا بالدماء والدموع.

اسمحوا لي أن أختم هذا المقال باقتباس من قصيدة بيرتولت بريشت: لا للحرب، لا للحرب!
السلام ليس شجرة أو عشبا لينبت ويخضرّ بنفسه
السلام يأتي ويزهر إذا أردتم أنتم ذلك
أيتها الشعوب، أنتم قدر هذا العالم
أدركوا قوتكم.
الحرب ليست قانون الطبيعة،
والسلام لا يُمنح للإنسان مثل الهبة:
من أجل السلام مقابل الحرب
يجب الصمود أمام القتلة،
وقول: “كلا، نحن نريد أن نعيش”.
وجِّهوا لكماتكم إلى وجوههم!
هكذا سنتمكن من الحيلولة دون الحرب.

  • كاتب تركي.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock