ترجمات

سورية غيرت طريقة الحرب الإيرانية: ما الذي يعنيه ذلك لصراع مستقبلي مع الولايات المتحدة

أريان م. طبطبائي – (فورين أفيرز) 16/8/2019
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

يكمن الخطر الأكبر الذي تواجهه الولايات المتحدة من إيران في قدرات طهران الحربية الهجينة، التي شحذتها على مدى العقود الأربعة الماضية وبلغت حد الاكتمال في سورية. ويمكن أن تكون لتطور النهج الإيراني في الحرب على هذا النحو عواقب حقيقية على الولايات المتحدة وقواتها المسلحة: فسواء بشكل مباشر أو من خلال وكلاء، من المرجح أن يواصل البلدان التصادم في المستقبل المنظور. وتعمل القوات الإيرانية والقوات المدعومة من إيران الآن على مقربة من الجيش الأميركي وشركائه في كل من أفغانستان، والعراق، وسورية والخليج الفارسي.

  • * *
    في ربيع العام 2011، وبينما يشاهدون موجة المعارضة الشعبية العارمة التي أصبحت تُعرف في نهاية المطاف باسم “الربيع العربي”، أعرب معلقون من مختلف المشارب السياسية والقوميات عن أملهم في أن تكون المنطقة بصدد التحرك نحو الديمقراطية. وكانت إيران قد مرت بلحظة مماثلة قبل عامين من ذلك، عندما احتج ملايين المواطنين هناك على ما اعتبروه إعادة انتخاب شابها الاحتيال والتزوير للرئيس المتشدد محمود أحمدي نجاد. لكن إيران كانت قد سحقت هذه الحركة فعلياً بحلول العام 2011. ونتيجة لذلك، شاهد الكثير من الإيرانيين الربيع العربي وهو يتكشف بمشاعر الحسد.
    وأسرت سورية خيالهم على وجه الخصوص. كانت سورية، تحت حكم عائلة الأسد، حليفة حاسمة للجمهورية الإسلامية والشريك العربي الحقيقي الوحيد للبلد. ولذلك، رحب العديد من الإيرانيين الذين كانوا قد عارضوا حكومتهم بدورهم بالاحتجاجات المناهضة للأسد التي اندلعت في أوائل العام 2011، ورحبوا باحتمال سقوط بشار الأسد. ولكن، على النقيض من هؤلاء، راقب المسؤولون في طهران الوضع في سورية بقلق عميق. وخوفاً من انهيار النظام الصديق في دمشق، خصص هؤلاء المسؤولون موارد كبيرة لدعم الأسد، معمقين تورط إيران في الصراع مع تحول الانتفاضة في سورية إلى حرب أهلية شرسة.
    حتى الآن، أنفقت طهران ما يقدر بنحو 15 مليار دولار لدعم الأسد -حتى في الوقت الذي انهار فيه الاقتصاد الإيراني تحت ثقل العقوبات، واستثمرت في جزء كبير من الحرب السورية. وبالإضافة إلى ذلك، يُعتقد أن الجمهورية الإسلامية أرسلت نحو 10.000 عنصر، بما في ذلك قواتها المقاتلة، إلى سورية بين العامين 2011 و2014. ولا يشمل هذا الرقم القوات غير الإيرانية المدعومة من طهران، والتي وضعت صحيفة “وول ستريت جورنال” أعدادها عند 130.000 مقاتل في العام 2014. وباعتراف طهران نفسها، مات ما لا يقل عن 2.100 إيراني في الصراع السوري بحلول العام 2017، بما في ذلك عدد من القادة العسكريين رفيعي المستوى. واليوم، حتى بينما تذهب الحرب السورية إلى نهايتها، تستمر أكياس الجثث الإيرانية في العودة إلى الديار.
    كان تدخل إيران المكلف حاسماً لبقاء الأسد. كما أنه أثر بعمق على إيران نفسها: فقد أدت تجربة القتال في سورية إلى تغيير طريقة الحرب الإيرانية، وتغيير تكتيكاتها العسكرية، وإجبار الجيش في البلاد على اكتساب قدرات جديدة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتعاون مع الجيوش الأجنبية وتدريب قوات الوكلاء غير الإيرانيين.
    ولن تقتصر هذه التغييرات على سورية. فمع تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران، سوف تبدأ الولايات المتحدة وشركاؤها في الشعور بآثار التحول العسكري الإيراني. وللتعرف على الكتاب الإرشادي الذي قد تستشيره طهران في أي صراع مستقبلي مع الولايات المتحدة، ينبغي على واشنطن أن تولي اهتماماً كبيراً لما تعلمه الإيرانيون في سورية.
    الطريق إلى اعتناق السياسة التدخلية
    منذ بداية القرن العشرين، نادراً ما نشرت إيران قوات لها خارج حدودها. في 1973-1974، أرسل الشاه محمد رضا آلافا عدة من الجنود والمستشارين إلى سلطنة عمان لمساعدة السلطان قابوس بن سعيد على سحق تمرد هناك. وفي وقت لاحق، في عهد الجمهورية الإسلامية التي تأسست حديثاً، خاضت إيران حرباً استمرت ثماني سنوات ضد عراق صدام حسين، والتي راح ضحيتها مئات الآلاف من الجنود الإيرانيين، وإنما لم يستطع أي من الطرفين إعلان انتصاره بشكل مقنع. وفي أعقاب الحرب بين إيران والعراق، التي انتهت في العام 1988، حصرت طهران نطاق تدخلاتها الخارجية في تقديم المساعدات والمشورة. وكان البلد يفتقر إلى قدرات عسكرية تقليدية كبيرة، وسعى إلى استخدام الإنكار المُقنِع كلما كان من الممكن وصف أعماله الخارجية بأنها غير شرعية أو خارجة على الحدود.
    في بعض الأحيان، شنت إيران غارات جوية ضد جهات فاعلة غير حكومية خارج حدودها. وعلى سبيل المثال، استهدفت إيران طوال عقد التسعينيات الأكراد الانفصاليين ومجاهدي خلق، وهم جماعة معارضة صنفتها القيادة الإيرانية على أنها منظمة إرهابية. ومع ذلك، انخرطت إيران في بلدان أجنبية في الجزء من خلال تدريب وتجهيز وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع قوات وكيلة -وعلى الأخص مقاتلي حزب الله في لبنان.
    عندما بدأت الاضطرابات في سورية في ربيع العام 2011، اتبعت طهران قواعد اللعبة المعتادة. وأرسلت التكنولوجيا والمعدات والأسلحة، بالإضافة إلى المستشارين الذين يمكنهم الاستفادة من تجربتهم السابقة الخاصة في سحق المتظاهرين المناهضين للنظام في الوطن. ولكن، بينما انحدرت سورية إلى دوامة الحرب الأهلية الشاملة، سرعان ما تحول ما كانت طهران قد أمِلت في أن تكون مهمة سريعة ومنخفضة التكلفة نسبياً لتحقيق الاستقرار للحكومة السورية إلى مستنقع موحل -والذي كان من شأنه أن يجبر القادة الإيرانيين والمخططين العسكريين على التكيف إذا ما أرادوا الحيلولة دون استبدال الأسد بنظام عدائي.
    في العام 2013، عندما اكتسبت قوى المعارضة في سورية زخماً ودعت القوى الغربية الأسد إلى التنحي، استخدم الدكتاتور السوري الأسلحة الكيميائية وارتكب الفظائع لتعزيز قبضته على السلطة. وفي أعقاب هذه الهجمات، بدأت طهران بنشر قواتها القتالية الخاصة في سورية كجزء من نهج أكثر انفتاحاً وحزماً. وبالإضافة إلى قوات الحرس الثوري الإسلامي شبه العسكرية التي عادة ما ترسلها طهران لتنفيذ مهامها السرية، نشرت إيران أفراداً من ميليشياتها العسكرية التقليدية، بالإضافة إلى ميليشيات المتطوعين المعروفة باسم “الباسيج”. وفي الوقت نفسه، قام عدد من شركاء إيران التقليديين من غير الدول، وخاصة حزب الله وبعض الميليشيات الشيعية العراقية، بإرسال قواتهم إلى سورية بدورهم.
    ولزيادة أعداد هذه القوات، جندت طهران ونشرت ميليشيات جديدة مؤلفة من شيعة باكستانيين وأفغان، وبُذلت الوعود لبعضهم بالتعويض وضمان الإقامة في إيران مقابل انضمامهم إلى القتال. (قيل إن إيران أجبرت اللاجئين الأفغان الذين يعيشون داخل حدودها أيضاً على الانضمام إلى هذه المجموعات الجديدة). وكثيراً ما زار قادة الحرس الثوري الإيراني الميليشيات على الخطوط الأمامية السورية، مما ساعد على ضمان وجود قنوات اتصال مباشرة مع المقاتلين والسيطرة عليهم أثناء قتالهم لدعم حكومة الأسد.
    ثمة حقيقة أخرى على القدر نفسه من الأهمية، هي أن طهران توقفت عن محاولة إخفاء تورطها في سورية. فبعد أن أنكرت في البداية عملياتها السرية هناك، كما تفعل عادة، شرعت طهران في الإعلان عن دورها في الصراع. وبحلول العام 2016، كانت منصات وسائل الإعلام الاجتماعية التابعة للحرس الثوري الإيراني ومنافذ الأخبار الحكومية تبث مقاطع فيديو لقائد الحرس الثوري الإيراني، الجنرال قاسم سليماني، وهو يزور جبهة القتال، ويقوم بمصافحة المقاتلين الأجانب واحتضانهم. وعندما ضربت فيضانات هائلة عدة مناطق في إيران في ربيع العام 2019، تم جلب المقاتلين الأجانب من سورية للمساعدة في جهود الإغاثة من الفيضانات -وهي أعمال قامت بنشرها أيضاً منافذ الحرس الثوري الإيراني ووسائل إعلامه الاجتماعية.
    ولم يقتصر الأمر على قيام القوات الإيرانية ووكلائها بالتنسيق مع نظام الأسد فحسب، وإنما نسقت أيضاً مع الحكومة الروسية، التي بدأت في توفير الدعم الجوي للجهد السوري والإيراني في العام 2015. وقد شكل هذا التنسيق الأخير تطوراً مهماً آخر. وكانت لطهران وموسكو علاقة مضطربة تاريخياً، مبنية على التعاون على خلفية من التوتر وعدم الثقة. ولم تتمكن الحرب في سورية من محو ذلك الشك المتبادل، لكنها قدمت مثالاً رائعاً لما يمكن أن يحققه التعاون بين البلدين عندما تتناغم المصالح الإيرانية والروسية وتتحالف. كان الدعم الجوي الروسي، المنسق بشكل وثيق مع قوات الحرس الثوري الإيراني وشبكته من الوكلاء الأجانب، عنصراً حاسماً لنجاح العمليات الإيرانية -ولإبقاء الأسد في السلطة.
    كانت الحرب في سورية هي المرة الأولى منذ انتهاء الحرب الإيرانية-العراقية التي تعرضت فيها القوات الإيرانية لقتال حقيقي خارج حدود إيران. وكان لهذه التجربة تأثير عميق على الفكر العسكري الإيراني، والذي أجبر البلد على تحديث عقائده وإجراءاته العسكرية، وزيادة تماسك جيشه، وتعزيز قدرته على القيام بعمليات مشتركة مع جيوش أجنبية. ويمكن أن تكون لتطور النهج الإيراني في الحرب على هذا النحو عواقب حقيقية على الولايات المتحدة وقواتها المسلحة: فسواء بشكل مباشر أو من خلال وكلاء، من المرجح أن يواصل البلدان التصادم في المستقبل المنظور. وتعمل القوات الإيرانية والقوات المدعومة من إيران الآن على مقربة من الجيش الأميركي وشركائه في كل من أفغانستان، والعراق، وسورية والخليج الفارسي.
    ما تزال القدرات التقليدية لإيران بعيدة عن مضاهاة قدرات الولايات المتحدة. وبالإضافة إلى ذلك، ما تزال الجمهورية الإسلامية لا تملك أسلحة نووية. لكن أكبر تهديد تواجهه الولايات المتحدة من إيران يمكن في قدرات البلد الحربية الهجينة، التي شحذتها طهران على مدى العقود الأربعة الماضية وتكاملت في سورية. وتتمتع الجمهورية الإسلامية الآن بقدرات تجنيد جديدة وشبكة موسعة من الوكلاء، ولديها مخزون ضخم من الخبرة الإعلامية، وقدرة متطورة على التنسيق مع الحلفاء المسلحين تقليدياً مثل روسيا.
    في إشارة محتملة إلى تعميق العلاقات مع روسيا، وقّع البلدان اتفاقية تعاون عسكري في وقت سابق من هذا الشهر. ولم يتم الإعلان عن التفاصيل، ولكن يبدو أن الاتفاقية تنطوي على عنصر بحري مهم. ومع سعي الولايات المتحدة إلى مواجهة النشاط الإيراني المتزايد في الخليج الفارسي ومضيق هرمز في ظل تصاعد التوترات، سيكون من الجيد النظر في ما تعلمته طهران في سورية وأخذه بعين الاعتبار. فقد غيّر دعم طهران للأسد طريقة الحرب الإيرانية، على الرغم من أنه ليس من الواضح أن أحداً في واشنطن قد لاحظ ذلك.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Syria Changed the Iranian Way of War: And What That Means for a Future Conflict With the United States

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock