ترجمات

سورية: هل تستخدم تركيا المنطقة الآمنة لتغيير تركيبتها؟

بول إيدن* – (أحوال تركية) 15/8/2019

يشير سجل تركيا في سورية إلى أنها قد تستخدم منطقة آمنة تدعمها الولايات المتحدة تعتزم إنشاءها في شمال شرق سورية الذي تقطنه أغلبية كردية، لإعادة تشكيل التركيبة السكانية للمنطقة بشكل أساسي، على الرغم من أن واشنطن ستقف في طريقها على الأرجح.
وقد هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان منذ أشهر بشن عملية عسكرية عبر الحدود لطرد وحدات حماية الشعب الكردية من المنطقة، وقال إن القوة الكردية السورية تمثل امتداداً لحزب العمال الكردستاني الذي يقاتل من أجل الحكم الذاتي في جنوب شرق تركيا الذي تقطنه أغلبية كردية منذ ما يربو على ثلاثة عقود.
حتى الآن، منعت الولايات المتحدة هجوم تركيا على شمال شرق سورية. وكانت الولايات المتحدة هي التي قامت بتسليح وتدريب ودعم قوات سورية الديمقراطية، التي تتكون إلى حد كبير من مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية، لمساعدتها على هزيمة الدولة الإسلامية (داعش) في سورية. لكن تركيا والولايات المتحدة اتفقتا الأسبوع قبل الماضي على إنشاء مركز عمليات مشترك للإشراف على منطقة آمنة في سورية. ولم يتم الكشف عن تفاصيل الاتفاق، لكن معظم المراقبين يعتقدون أن الخلافات ما تزال قائمة حول حجم المنطقة الآمنة والقوات التي ستقوم بدوريات فيها.
تشير الهجمات السابقة التي شنتها تركيا عبر الحدود إلى أن المنطقة ستكون أقل أماناً بالنسبة للعديد من سكانها الحاليين، ومعظمهم من الأكراد. وبعد أن استولت تركيا على منطقة عفرين الكردية في شمال غرب سورية في أوائل العام 2018، نهب وكلاؤها السوريون، الجيش السوري الحر، المنازل في وضح النهار.
وطوال فترة الاحتلال المستمر، لم تفعل تركيا أي شيء لمنع انتهاكات حقوق الإنسان الموثقة، بما في ذلك نزوح ما يزيد على 100 ألف من أكراد عفرين الأصليين.
وأشرفت تركيا أيضاً على إعادة توطين العرب المشردين من أماكن أخرى في سورية في منازل الأكراد المهجورة، ومنحتهم تصاريح إقامة للبقاء في المنطقة. ومن خلال القيام بذلك، فإنها صنعت حقائق ديموغرافية جديدة على أرض الواقع في منطقة كانت تقطنها أغلبية كردية ساحقة على مر التاريخ.
تقع المناطق الأساسية في كردستان السورية إلى الشرق من نهر الفرات. وبعد الاتفاق المبدئي في السابع من آب (أغسطس) بين تركيا والولايات المتحدة لإنشاء منطقة آمنة في تلك المنطقة، قالت السفارة الأميركية في أنقرة “إن المنطقة الآمنة ستصبح ممراً للسلام، وسيتم بذل كل جهد ممكن حتى يتمكن النازحون السوريون من العودة إلى بلادهم”.
يقول مصطفى غوربوز، وهو زميل غير مقيم في المركز العربي في واشنطن: “يشير مصطلح ممر السلام إلى أمرين مختلفين: بالنسبة لتركيا، القضاء التام على كوادر حزب العمال الكردستاني في شمال سورية، وبالنسبة للولايات المتحدة، الحل العملي لكي تتجنب تركيا وحزب العمال الكردستاني الصدام.. وما لم يحدث تحول في النموذج على أي من الجانبين، فمن المستحيل أن يكون هناك أي اتفاق طويل الأجل بشأن المنطقة الآمنة”.
طالما تتحدث تركيا عن عزمها على إعادة غالبية اللاجئين السوريين البالغ عددهم 3.6 ملايين لاجئ إلى وطنهم، فقد يعني هذا إعادة توطين العرب السوريين في المناطق ذات الأغلبية الكردية، كما حدث في عفرين، لتدمير أي منطقة ذات أغلبية كردية على مقربة من الحدود التركية.
تخطط تركيا لإعادة توطين حوالي 700 ألف لاجئ سوري في شمال شرق سورية الذي تقطنه أغلبية كردية بعد إنشاء المنطقة الآمنة. وقد يكون هذا جزءاً من مشروع لتقليل وجود اللاجئين السوريين الذي لا يحظى بشعبية في تركيا وتغيير التركيبة السكانية في شمال شرق سورية بشكل مشابه لحملة التعريب التي قادها البعثيون السوريون في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. وقد سعت تلك الخطة إلى إعادة احتلال المناطق ذات الأغلبية الكردية على الحدود السورية مع العرب لفصل أكراد سورية عن أكراد تركيا والعراق، حيث كانت القومية الكردية في ازدياد.
تعتزم الحكومة السورية إخراج الأكراد من منطقة على طول الحدود السورية مع تركيا بعمق تسعة أميال وعرض 174 ميلاً. لكن ذلك لم يتحقق بالكامل قط، على الرغم من اقتلاع العديد من الأكراد قسراً وإعادة توطين حوالي أربعة آلاف عائلة عربية في أراضيهم.
ربما ترى تركيا المنطقة الآمنة خطوة أولى لبناء “حزام عربي” مماثل على طول الحدود. ولم يتضح بعد الحجم الدقيق للمنطقة الآمنة وموقعها. وتريد تركيا منطقة بطول 20 ميلاً تمتد عبر الحدود بأكملها، في حين اقترحت الولايات المتحدة منطقة بطول أصغر كثيراً يبلغ تسعة أميال. وما تزال تركيا مصرة على أن لا يقل امتداد المنطقة عن 20 ميلاً وتقول إنها ستشن عملية عسكرية من جانب واحد إذا لم تحصل على ما تريد.
ستشمل منطقة بهذا الحجم جميع المدن الرئيسية في كردستان السورية، والتي يقع العديد منها بالقرب من الحدود التركية، ولن تكون مقبولة لدى وحدات حماية الشعب الكردية والقوة الأكبر متعددة العرقيات المتمثلة في قوات سورية الديمقراطية.
قد تقنع الولايات المتحدة تركيا بدلاً من ذلك بإقامة منطقة آمنة حول مدينة تل الأبيض ذات الغالبية العربية؛ حيث قد يثبت أن اللاجئين السوريين العرب المعاد توطينهم أقل إثارة للجدل في المناطق ذات الأغلبية الكردية.
وقال موتلو جيفير أوغلو، وهو محلل للشؤون الكردية: “ينظر الأكراد إلى تل الأبيض كجزء من كردستان السورية لأنها من المناطق التي تم فيها تنفيذ مشروع الحزام العربي وتغيرت التركيبة السكانية هناك منذ عشرات السنين”.
ولكن، ما يزال من غير الواضح ما إذا كانت الولايات المتحدة ستتمكن من إقناع تركيا بتقديم تنازلات كبيرة. وقال نيكولاس هيراس، زميل الأمن في الشرق الأوسط في مركز الأمن الأميركي الجديد: “كان الفريق الأميركي مقتنعاً بأن أردوغان سيغزو شمال وشرق سورية.. كان هناك جو من اليأس على الجانب الأميركي خلال هذه المحادثات التي لم تكن تجري سابقاً”.
وقالت هيراس إن هزيمة حزبه في الانتخابات البلدية في أكبر مدينة في تركيا والعاصمة المالية إسطنبول هزت الرئيس. وبالتالي، فإن أردوغان ينظر إلى قضية سورية “باعتبارها ورقة مهمة يمكن أن يستخدمها لإرضاء الجسم السياسي التركي الذي يشعر أنه ينقلب عليه”، حسب ما ذكر هيراس.
وأضاف هيراس: “اعتقد الفريق الأميركي أن أردوغان كان سيغزو المنطقة، ويطرد قوات سورية الديمقراطية من مساحات شاسعة من الحدود، وفي الوقت نفسه تقريباً ينقل اللاجئين إلى الفراغ الناجم.. إن ما يزعج الجانب الأميركي في حقيقة الأمر هو الاعتقاد بأنه ربما تكون هناك لحظة تحتاج فيها الولايات المتحدة وقوات التحالف الأخرى إلى إطلاق النار على القوات التركية من أجل حماية قوات سورية الديمقراطية”.
وقالت هيراس إن هناك حرباً هادئة كانت تدور بين وزارة الخارجية الأميركية التي أرادت منح الأتراك مساحة أكبر للعمل في مناطق قوات سورية الديمقراطية، والجيش الأميركي الذي كان يقاوم بشدة.
وتابع قائلاً: “لم يتفق الأتراك والأميركيون على الكثير، باستثناء مواصلة الحوار… لكن هذا يعد انتصاراً لكل من الجيش الأميركي وقوات سورية الديمقراطية، لأنه كلما ظل الأتراك محاصرين، تراجع احتمال أن تتمكن تركيا من القيام بالغزو”.
وشكك هيراس في أن الجيش السوري الحر المدعوم من تركيا سيكون قادراً على العمل في أي منطقة آمنة، مشيراً إلى أنه “ليس لديهم أي حماية من قوات التحالف”.
وأضاف: “ليس لدى قوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة في شمال وشرق سورية أي ثقة تقريباً في وكلاء تركيا من مقاتلي المعارضة السورية.. إذا حاولوا العمل في مناطق قوات سورية الديمقراطية، فسيتم إطلاق النار عليهم”.
وقال جيفير أوغلو إن الأكراد السوريين يعتقدون أن تركيا تستخدم وكلاءها السوريين لحماية نفسها من تهم الإساءة. وقال إنه يشك في أن الولايات المتحدة ستسمح لتركيا بتغيير التركيبة السكانية في شمال شرق سورية.
وأردف قائلاً: “لا أعتقد أن الولايات المتحدة ستقبل ذلك لأن هذا مخالف للقانون الدولي ولن يحل أي مشاكل.. ومن الناحية الأخلاقية أيضاً، لن تقبل الولايات المتحدة مثل هذا الشيء من وجهة نظري لأن هؤلاء هم الأشخاص الذين قاتلوا جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة في مواجهة تنظيم داعش”.

*صحفي مقيم في شمال العراق.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock