أفكار ومواقف

سياحة بأفكار جديدة

في الأردن كانت السياحة وما تزال أحد أهم الموارد التي ننتظر تطويرها والوصول بها إلى المستوى الذي نتطلع جميعا إليه. اليوم وبعد هذه الرحلة الطويلة هناك حاجة إلى الانتقال من حالة أننا نقيم على أرض مهمة للناس تاريخيا وروحيا ومكانيا إلى إبراز الأردنيين كأمّة مضيافة تملك تاريخا وتراثا ولديها قصة وحضارة وفن ترغب في عرضها وتقديم ذاتها للعالم من خلالها.
القيمة التاريخية والروحية والميزات الثقافية والمناخية تجعل من الأردن مقصدا محتملا لملايين الأشخاص حول العالم. الجهود التي تبذلها المؤسسات المعنية بالملف السياحي حققت بعض التطور وزادت من أعداد الزوار في السنوات القليلة الماضية قبل أن تتقلص هذه الأعداد إلى أدنى الحدود بسبب الجائحة وتداعياتها.
النمو السكاني المطرد وتقلص حجم المساعدات وشح الموارد وتنامي المشكلات الاقتصادية عوامل تجعل من الضروري التفكير بجدية وعمق في أهمية تغيير الإستراتيجية السياحية الأردنية بشكل يوظف الإمكانات والخصائص النسبية ويعظم العائد على الاقتصاد الوطني والقطاعات والطبقات المتنوعة في البلاد.
لعقود وسنوات طويلة بقيت السياحة في الأردن سياحة آثار وفنادق يجري الترويج لها بين الطبقات الأكثر دخلا وفي أوساط الجماعات القادرة على الإنفاق وقد أدى هذا التوجه إلى التوسع النسبي في إنشاء فنادق الخمسة نجوم والتي تتقاضى مبالغ كبيرة وتجعل من السياحة نشاطا يتم في بيئات معزولة عن المجتمع وبرامج تجنبها الاختلاط والتفاعل والتعرف على الحياة والثقافة الشعبية وتذوقها والتأثير عليها والتأثر بها.
الأسواق الشعبية والمطاعم والقرى والأطعمة التي تقدم في الشارع عناصر تكاد أن تكون خارج نطاق البرامج والرحلات التي يقوم بها الزوار للأردن. من لحظة القدوم إلى الأرض الأردنية يجري استقبال السواح من قبل الشركات المستضيفة ونقلهم بحافلات خاصة إلى فنادق بعيدة أو معزولة وتدار برامج زياراتهم برتابة وروتين أصبح معروفا ليغادروا البلاد دون الكثير من التفاعل مع غير البازارات والفنادق وشركات النقل التي جرى تحديدها.
البيانات المتوفرة عن الطاقة الاستيعابية للفنادق والنُزل تشير إلى تواضع الإمكانات المتوفرة وغيابها تماما عن بعض مناطق الجذب السياحي المهمة. يستطيع الأردن اليوم توفير 20 مليون ليلة سياحية تقع معظمها خارج حدود موازنات السائح المحلي.
في أطر السياسات والتدابير والإجراءات السياحية هناك افتراض بأن السائح هو الشخص القادر على الإنفاق وشراء الخدمات بالكلف التي ترد تحت مسمى التصنيف السياحي فالمطاعم والمحلات والفنادق لها تسعيرة تزيد على التسعيرة المعتادة في الأسواق والمرافق غير المصنفة سياحيا.
بالنظر إلى الإمكانات وعناصر الجذب فإن الأرقام المتوفرة تشير إلى طاقة استيعابية متواضعة تعتبر أقل بكثير مما يمكن أن يقدمه الأردن وما يمكن استقطابه من أعداد. غالبية المواقع والأماكن الجاذبة للسائح تفتقر إلى الخدمات الأساسية والتسهيلات التي يمكن أن تشجع الزوار على الإقامة وتخلو من البرامج المفيدة والممتعة الضرورية. الطريقة التي يجري فيها التفكير والتخطيط لتنمية وتطوير السياحة والترويج لها بحاجة إلى مراجعة كما أن السياسات المتبعة في تنظيم العمل والدخول والإقامة تحتاج إلى تقييم هي الأخرى.
في الأردن ما يزال التفكير والتهيئة والترويج السياحي موجها للطبقات القادرة على تحمل النفقات العالية التي تضعها المؤسسات الخدمية الكبرى. الملايين من الأشخاص الراغبين في الاستكشاف والاستمتاع بالتعرف على الطبيعة والتاريخ والثقافة يواجهون عقبات يعود معظمها إلى افتراض السياسات السياحية بأن السياحة ترف مكلف لا يقوى الجميع على تحمّل نفقاته. من غير الممكن أن تتطور السياحة بدون تغيير للمنطلقات والافتراضات والمفاهيم فعليا وليس على مستوى الشعارات.
في العالم اليوم هناك أساسيات في البيئة السياحية يحصل عليها الجميع وتنوع في الخدمات الفندقية والإيوائية تتناسب مع دخول وأذواق الزوار. من الضروري التفكير في توفير سياحة للفرد بـ10 دنانير يوميا وبنفس درجة الحرص على توفيرها لمن هو على استعداد لإنفاق 500 دينار يوميا. ما لم تنتقل هذه القيم والمبادئ إلى عقول وقلوب وقرارات المسؤولين فإن السياحة ستبقى تراوح مكانها بالرغم من انخفاض تذاكر الطيران واستعداد الملايين للتنقل بين بلدان العالم وثقافاتها المتنوعة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock