أفكار ومواقف

سيادة القانون.. الرحمة على روحه الطاهرة

تنظر المحاكم حاليا بآلاف القضايا المتصلة بالاعتداء وسرقة المياه والكهرباء تقدر قيمتها بعشرات ملايين الدنانير، ومخالفات سير من الدرجتين الأولى والثانية بمبالغ كبيرة جدا، وشيكات بملايين الدنانير وجرائم إساءة الأمانة ومثلها الكثير. كل هذه الحقوق للخزينة والأفراد ستسقط وفق التعديلات الأخيرة على مشروع قانون العفو العام، ومعها مبدأ سيادة القانون، الذي كافحت مؤسسات الدولة لتكريسه في السنوات الأخيرة بعد تجاوزات أطاحت بهيبة الدولة وسلطتها.
في المسعى النيابي لتوسيع قاعدة العفو العام كرر نواب القول بأن مشروع القانون الذي تقدمت فيه الحكومة خالف توجيهات جلالة الملك بهذا الخصوص. كانت هذه محاولة مكشوفة لكسب التأييد بالاستناد المجزوء للتوجيهات الملكية، فجلالته أكد أيضا وبشكل واضح وصريح على “أهمية أن يحافظ العفو العام على احترام سيادة القانون، بحيث لا يكون هناك إضرار بالأمن الوطني والمجتمعي، وحقوق المواطنين”.
أين انتهى بنا احترام مبدأ سيادة القانون عندما نشمل بالعفو العام الاعتداءات على المصادر المائية الشحيحة والكهرباء التي نئن تحت فاتورة ديونها الثقيلة؟ وكيف نصادر حقوقا ضمنها القانون لمواطنين وثقوا بالشيكات المحصنة بالقانون وتعاملوا بها على هذا الأساس؟
أوليس من حق المواطن الذي سدد ما عليه من مخالفات سير قبل الثاني عشر من الشهر الماضي أن يطالب باستردادها أسوة بمواطنين خالفوا القانون ولم يلتزموا بالدفع وتتم مكافأتهم بالعفو؟
ما شهدناه من ضغوط غير مسبوقة تكاتف فيها النواب من مختلف التيارات والتوجهات لتوسيع قاعدة العفو، كان في حقيقته سباقا على حساب سيادة القانون لحساب اعتبارات اجتماعية، بلغت حد شمول بعض قضايا المخدرات بالعفو العام.
والمؤسف فيما دار من نقاشات، أنه وباستثناء هيئة النزاهة ومكافحة الفساد لم تتصد مؤسسة رسمية للضغوط بتوسيع العفو العام، فما سمعته من العضو المفوض بالهيئة أسامة المحيسن أثناء اجتماع اللجنة القانونية بمجلس النواب، كان كلاما جريئا وشجاعا كبح جماح الرغبة بشمول المتورطين بقضايا الفساد بالعفو.
أركان السلطة التنفيذية وقفوا صامتين أمام مزاد فتح على مصراعيه اقترب بالعفو لأن يكون تبييضا فعليا للسجون.
من المقرر أن يناقش السادة النواب مشروع القانون تحت القبة اليوم، وليس لدينا شك بأن هناك تيارا كاسحا يدفع بإقراره وربما إضافة المزيد من الجرائم لقائمة المشمولين بالعفو. لكن لا نعلم بعد كيف سيتعامل مجلس الأعيان مع الصيغة النيابية للتشريع. الوقت ضيق كما هو معروف وعلى البرلمان أن ينتهي من إقرار القانون قبل نهاية الشهر، وعليه لا مجال لتعديلات تعيده مرة ثانية للنواب لندخل في سجال يحتاج لوقت أطول.
سيمضي العفو إذا وعلى مؤسسات الدولة أن تستعد للعودة إلى نقطة الصفر في تحديها لفرض سلطة القانون، فمن يصدق بعد اليوم أننا جادون في معاقبة المعتدين على مصادر المياه حتى بعد تغليظ العقوبات عليهم في القانون، وكيف لموظفي الكهرباء أن يقدموا على مخالفة السرقات التي تفاقمت في السنوات الأخيرة وستزداد مستقبلا أملا بعفو جديد يجُبُّ ما قبله.
أما مبدأ سيادة القانون، فلا يسعنا في مثل هذا الوقت إلا الترحم على روحه الطاهرة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock