أفكار ومواقفرأي اقتصادي

سياسات التقشف الاقتصادي ليست الحل دائما؟

منذ أن بدأ الأردن بتطبيق برامج “الإصلاح الهيكلي” للاقتصاد تحت اشراف صندوق النقد الدولي في بداية تسعينيات القرن الماضي، استندت مختلف سياسات وإجراءات هذه البرامج على ما يطلق عليه بالسياسات التقشفية.
ويقصد بالسياسات التقشفية جملة من الإجراءات التي تطورها وتنفذها الحكومات لتخفيض الانفاق العام بهدف تخفيض عجز الموازنة العامة.
وعادة ما تشمل هذه التخفيضات الانفاق على الخدمات العامة الأساسية مثل الصحة والتعليم والنقل وغيرها، ووقف الدعم الذي تقدمه الحكومات لبعض السلع الأساسية، إضافة الى تخفيض الأجور في القطاع العام و/ أو تخفيض التوظيف في القطاع العام، هذا الى جانب تخفيض الانفاق لبعض أبواب الموازنة.
وترافقت هذه السياسات التي تم تنفيذها في الأردن خلال العقود الثلاثة الماضية من خلال ستة برامج (اتفاقيات) وقعتها الحكومات الأردنية المتعاقبة مع صندوق النقد الدولي، مع سياسات أخرى هدفت إلى زيادة الإيرادات العامة وأهمها السياسات الضريبية، حيث فرضت الضريبة العامة على المبيعات والضرائب الخاصة، ورفعها إلى مستويات عالية.
ولم يقتصر تطبيق هذه السياسات على الأردن فقط، بل على كافة الدول التي لجأت الى “صندوق النقد” للحصول على قروض ميسرة، و”شهادات حسن سلوك” تستخدمها حكومات هذه الدول للحصول على منح وقروض ميسرة من العديد من الدول والمؤسسات الاقتصادية والدولية الأخرى، والتي بدونها لن تقدم لها هذه الجهات أية مساعدات، وستجد نفسها مضطرة للجوء إلى البنوك التجارية للحصول على قروض بفوائد مرتفعة.
المشكلة تكمن في أن خبراء “صندوق النقد” يتعاملون مع السياسات التقشفية باعتبارها سياسات “مقدسة”، ويشاركهم بذلك العديد من الاقتصاديين المحليين الرسميين وغير الرسميين، ويرون أن الإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن يتم الا من خلال تطبيقها.
ما جرى في الأردن وغيرها من الدول ، أدت الى حدوث تباطؤ اقتصادي، بسبب تراجع القدرات الشرائية والمستويات المعيشية لغالبية المواطنين وتقلص حجم الطبقة الوسطى، وبالتالي تراجع الطلب المحلي الكلي والذي يعتبر المحرك الرئيسي للاقتصاد، وأدى هذا التباطؤ إلى ارتفاعات كبيرة في معدلات البطالة.
كذلك لم تؤد هذه السياسات إلى تحقيق أهدافها في تقليص عجز الموازنات، إذ ما زالت الغالبية الكبرى من هذه الدول تعاني من مستويات عجز كبيرة في موازناتها، ما أدى إلى ارتفاع الدين العام، الا في حالات محدودة جدا نتجت عن تخفيضات كبيرة في الانفاق العام وخاصة الاجتماعي منه، وبالتالي زيادة أعداد الفقراء بشكل كبير.
ورغم ذلك، ما زال خبراء “صندوق النقد” ومؤيديهم من الاقتصاديين المحليين، يصرون على ضرورة الاستمرار في تطبيق السياسات التقشفية والسياسات الضريبية غير العادلة.
التجربة العالمية وابجديات السياسات الاقتصادية ونظرياته تشير إلى أن زيادة الانفاق العام هو المدخل الأساسي للخروج من حالات الركود والتباطؤ الاقتصادي، حيث يعزف القطاع الخاص عن الاستثمار في هذه الظروف، وتجربة دول جنوب شرق آسيا قبل ما يقارب ربع قرن وأوروبا والولايات المتحدة الأميركية خلال السنوات القليلة الماضية أدلة واضحة على ذلك، حيث توسعت الحكومات في الانفاق العام بشكل كبيرة، ما أخرجها من أزماتها المالية والاقتصادية.
نعيش في الوقت الراهن فرصة مواتية لإعادة التفكير في هذه السياسات الاقتصادية، حيث تجري هذه الأيام مشاورات بين الحكومة وبعثة صندوق النقد الدولي، لرسم ملامح السياسات الاقتصادية التي سيتم تطبيقها في الأردن، والتأسيس لبرنامج جديد ليتم تطبيقه بعد شهر آذار (مارس) من العام 2020

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock