أفكار ومواقف

سياسات العمل

الإجراء الأخير الذي اتخذته الحكومة في إحالة موظفي القطاع العام الذين أنهوا ثلاثين عاما من المشمولين بصندوق التقاعد المدني الى التقاعد وفتح المجال امام فئات اخرى الى تقاعد مبكر بحوافز جديدة يعد خطوة في الاتجاه الصحيح، ولكنها محدودة التأثير في الوقت نفسه وتبقى جديرة بأن تكون بداية لخطوات جريئة وربما ثورية في سياسات العمل، فقد مضى وقت طويل ولم تتجرأ الحكومات المتتالية على جراحة عميقة في سياسات العمل، سواء سياسات القطاعات العام التي تعاني من حالة ركود واسترخاء تحت تأثير الضغوط الاجتماعية ولم تفعل شيئا اكثر من التخدير وتفاقم المشاكل او سياسات تنظيم سوق العمل في القطاع الخاص الغارقة في سوء التنظيم والاتساع المستمر للقطاع غير المنظم.
واحدة من أهم الاولويات اليوم في اصلاح سياسات العمل ترتبط بالمرأة، وتحديدا بالاناث الشابات اللواتي يشكلن نحو ثلثي المتعطلين عن العمل، واكثر من ثلثي قوة العمل القادمة اي خريجي النظام التعليمي، بينما ما تزال ملامح ومعايير سوق العمل وبيئة العمل وظروفه تعمل لصالح الشباب الذكور بما فيها سياسات الاجور.
ان التقدم نحو سياسات عمل اكثر عدلا للإناث، واكثر تحفيزا للمجتمع الأردني نحو تغيير ثقافي ايجابي لصالح بيئات العمل الجديد وفي الوقت نفسه نحو تحفيز أرباب العمل لتوفير ظروف ملائمة للاناث، يعني الدخول عمليا في الحل الذي يوفر المزيد من المداخل المتعددة لحل عشرات المشاكل الاخرى .
إعادة التفكير في مصادر قوة النساء في المجتمع الأردني يجب ان تعيد تركيب المعادلة على اساس ماذا يخسر المجتمع والدولة الأردنية من تعطل النساء، وما حجم خسارة الدولة والمجتمع من تهميش قوة النساء في السياسة والاقتصاد والانتاج والثقافة والفنون.
مسألة عمل النساء اليوم هي صلب معركة السنوات العشر القادمة في النهوض بأحوال الأردنيات اي النهوض بالمجتمع الأردني، فالنساء وحدهن قادرات على تقليل معدل الاعالة في الاقتصاد الأردني الى النصف وقادرات على محاصرة مساحات الفقر في المدن والبلدات والقرى والبوادي، والنساء قادرات على تحسين اكثر من عشرين مؤشرا اساسيا من مؤشرات نوعية الحياة، ولن يتحقق ذلك بدون العمل العادل والحوافز الملائمة.
في المجمل تبدو البيئة التشريعية والسياسية اليوم اكثر قربا للنساء من اي وقت سابق، في المقابل تبدو البيئة الاقتصادية اكثر تعقيدا وصعوبة على النساء وغيرهن، ولكنها اكثر قسوة ومرارة على النساء.السؤال اليوم كيف يمكن دمج عشرات الآلاف من الفتيات خريجات الجامعات والتعليم المتوسط والتعليم المهني في قطاعات الانتاج، لنأخذ على سبيل المثال قطاع السياحة الذي يعد القطاع الاسرع نموا والمرشح ان يكون رافعة اساسية للاقتصاد خلال السنوات الخمس القادمة، لقد طرح العديد من المبادرات في هذا المجال خلال السنوات الماضية لكن لم تكن جادة ومستدامة بالدرجة التي تحدث تحولات حقيقية في قيم واتجاهات المجتمع نحو عمل النساء في هذا القطاع، وينسحب هذا الامر على قطاعي تكنولوجيا المعلومات والطاقة.
هناك حاجة ماسة لمراجعة خطة اولويات الحكومة التي طرحت في بداية العام من منظور قوة النساء بما يوفر امكانية لطرح سلسلة من المبادرات على خطين متوازيين الاول مبادرات مستدامة لدمج النساء في القطاعات الخدمية والانتاجية الصاعدة والثاني تحسين اوضاع المرأة في القطاع غير المنظم الذي بات يتوسع بفوضى كبيرة.
ليس من باب المبالغة القول ان الدولة بحاجة الى قوة النساء اكثر من حاجة النساء للدولة، على الرغم مما تبدو فيه احوال النساء من هشاشة وضعف، ان قوة النساء قادرة على تحقيق ازاحة اقتصادية فارقة تلقي بظلالها على مختلف مناحي الحياة وعلى التطور الاجتماعي والاقتصادي.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock