أفكار ومواقفرأي اقتصادي

سياسات صندوق النقد الدولي وتحفيز الاقتصاد الوطني

حققت الحكومة الأردنية خلال الأعوام الأخيرة نجاحات في زيادة فاعلية وأتمتة التحصيل الضريبي ومكافحة التهرب الضريبي وتطوير أنظمة الشراء وفرض شفافية أكثر عليها، ما انعكس على زيادة التحصيل الضريبي.
وهذه الإجراءات تمت بتنسيق وثيق مع خبراء صندوق النقد الدولي، ولا نستطيع أن ننكر الدور الكبير الذي لعبه الصندوق في التقدم خطوات ملموسة بهذا الاتجاه، وما نزال نأمل المزيد من السياسات والممارسات التي تحقق المزيد من الشفافية والافصاح وتقليص التهرب الضريبي.
وبالرغم من أن هذه الإنجازات مهمة جدا لدعم موازنة الدولة وزيادة إيراداتها، إلا أن السياسات المالية المرافقة والمضمنة في الاتفاقية (البرنامج) الموقعة مع الصندوق والمعمول بها، ما تزال تضع عقبات كأداء أمام تحقيق اختراق ملموس نحو تحقيق معدلات نمو اقتصادي شمولي حقيقي يسهم في وقف التصاعد الكبير في معدلات البطالة والفقر.
هذه الموضوعات أكد كاتب هذه السطور عليها خلال اجتماع أجراه صندوق النقد الدولي الخميس الماضي مع بعض ممثلي منظمات المجتمع المدني الأردنية لمناقشة نتائج المراجعة الثانية لتطبيق البرنامج الاقتصادي الموقع بين الأردن والصندوق، والتي صدر تقريرها في أواخر آب الماضي.
وقد أكدنا أيضا أنه وبدون إجراء مراجعة للسياسات الضريبية باتجاه تخفيض الضرائب غير المباشرة (الضريبة العامة على المبيعات والضرائب المقطوعة والخاصة والرسوم الجمركية) فإن الطلب الاستهلاكي المحلي سيبقى ضعيفا خصوصا وأن مستويات الأجور في الأردن منخفضة، وانخفضت أخيرا جراء الاستجابة الحكومية لتداعيات جائحة كورونا.
واستمرار انخفاض الطلب المحلي سيدفع باتجاه الضغط على معدلات النمو الاقتصادي، ويمنع تحقيق تقدم ملموس في المدى المنظور، وبالتالي بقاء قدرة الاقتصاد الوطني على توليد فرص عمل لائق ضعيفة.
ليس هذا فقط، بل إن استمرار الهيكل الضريبي على ما هو عليه – ثلاثة أرباع الإيرادات الضريبية تتأتى من الضرائب غير المباشرة – ستبقي مستويات اللامساواة الاقتصادية والتفاوت الاجتماعي على ما هي عليه، إن لم يفاقمها، ما يدفع باتجاهات عكسية لمبادئ العدالة الاجتماعية.
نتفهم تركيز الحكومة، وبدعم من صندوق النقد الدولي، على تقليص عجز الموازنة العامة للدولة، ولكننا لا نتفهم استمرار العمل بذات السياسات الضريبية التي اعترفت الحكومة، وما تزال تعترف، أنها غير عادلة، ولا نستطيع أن نتفهم أبدا تحقيق اختراقات في دفع عجلة النمو الاقتصادي بذات السياسات التي عمقت حالة التباطؤ الاقتصادي خلال العقد الماضي.
واضح مما تعلنه الحكومة من سياسات اقتصادية، كان آخرها “برنامج اولويات الحكومة الاقتصادية”، الذي أطلقته أخيرا، وتحتفي به، أن مراجعة السياسات الضريبية باتجاه تخفيض الضرائب غير المباشرة ليس على أجندة أعمالها، ما سيؤدي، في ضوء تجربتنا الأردنية، إلى استمرار حالة التباطؤ الاقتصادي لسنوات مقبلة طويلة.
كذلك يتضح أن الحكومة، وبدعم من الصندوق الدولي، غير معنية ببناء وتعزيز منظومة حماية اجتماعية شاملة ومتماسكة، الذي يفترض أن يكون أحد أهم أهداف أي حكومة. فهي من خلال السياسات القائمة والمزمعة، تحفز القطاع الخاص على التوسع من خلال تطبيق سياسات عمل مرنة وتخفيض الحمايات الاجتماعية في إطار منظومة الضمان الاجتماعي.
بدون إجراء تغيير في الخيارات والسياسات الاقتصادية المعمول بها، لا يُتوقع إحداث أي تغييرات في أوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية القائمة، وستبقى معدلات النمو الاقتصادي عند مستويات منخفضة، وستبقى عوائد النمو – حتى المنخفض – تذهب باتجاه مزيد من تكديس الثروات، وستزيد أعداد الفقراء، وستبقى منظومة الحماية الاجتماعية تتركز على تقديم المساعدات إلى الفقراء فقط، بعيدا عن بناء منظومة حماية شاملة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock