صحافة عبرية

سياسة اطفاء حرائق

إسرائيل هيوم

يوآف ليمور

14/11/2018

القرار بالامتناع عن شن حرب هو شرعي، حتى لو كان في نظر معظم الجمهور أمر خاطئ. امام ناظري متخذي القرارات كان هناك ما يكفي من الاسباب لعدم الانجرار إلى اشتباك اوسع: الخوف من التورط، ومن إصابات كثيرة ودمار كبير، من الانزلاق إلى شتاء، ومن تحويل الانتباه الاستراتيجي عن الجبهة الشمالية، وبالطبع بمعرفة أنه في اليوم الذي سيعقب ذلك، لن يتغير شيء في غزة، بل بالعكس، الوضع فيها فقط سيزداد سوءا.
كل ذلك كان على الحكومة أن تشرحه للجمهور. عدم القيام بذلك زاد الحرج والشعور التلقائي بأن حماس خرجت منتصرة. من الصعب أن تجد الآن شخص في غلاف غزة يعتقد أن الواقع الاستراتيجي في الجنوب قد تغير في الايام الاخيرة؛ تجربة الحياة تعلمه أن هذا فقط مسألة وقت (يبدو وقت قصير) إلى أن تتجدد النيران.
في الاختبار العملي الحياة أكثر تعقيدا. حماس تضررت أكثر مما أضرت؛ لقد فقدت أملاك مادية كثيرة، على الأقل منشأتين تعتبران استراتيجيتين بالنسبة لها. زعماؤها بقوا على قيد الحياة، ولكن فقط بسبب قرار إسرائيلي جاء من تقدير أن المس بهم يمكن أن يؤدي أيضا إلى المس بأبرياء كثيرين. من المعقول أن هذا أيضا كان ماثلا أمام ناظري المنظمة عندما طلبت وقف إطلاق النار.
في المقابل كان لحماس أيضا عدد من الانجازات، أبرزها هو النسبة العالية نسبيا للصواريخ التي لم يتم اعتراضها. من غزة أطلق في اليومين الاخيرين أكثر من 500 صاروخ وقذيفة: حوالي 100 سقطت في الاراضي الفلسطينية، وحوالي 100 تم اعتراضها، وحوالي 300 سقطت في مناطق مفتوحة وأكثر من 30 سقطت في مناطق مأهولة، بالاساس في عسقلان وسديروت. هذا يدل على أنه توجد مشكلة ما في نظام القبة الحديدية التي تحتاج إلى رد فوري.
كذلك فإن اصابة حافلة بصاروخ مضاد للدبابات قرب كفار عزة، هو انجاز لحماس. يبدو أن انتظار نزول الجنود من الحافلة كان مقصودا، ولكن الحادثة كلها هي خلل خطير (أو “اهانة”، حسب اقوال مصدر كبير). المناطق المكشوفة امام النيران من القطاع معروفة جيدا، حتى أنه تم تحديدها مسبقا والمصادقة عليها من قبل الجهات العليا، على اعتبار أنها تحتاج عدم الوصول اليها. حاجز للشرطة العسكرية وضع على مدخل نقطة المراقبة “سهم أسود”، ولكن سلوك إسرائيلي نموذجي أدى إلى السماح للقافلة، وفيها الحافلة وسيارات اخرى، بالمرور- وتقريبا التسبب بذلك بكارثة كبيرة.
في إسرائيل أيضا حافظوا على التوازن. سبق كل قصف تحذير، وهكذا في غزة أحصي حتى أمس 14 قتيلا و30 مصابا بجراح خطيرة، وهو عدد منخفض يدل على أنهم في إسرائيل خافوا من أن عدد مصابين مرتفع في القطاع لن يترك خيارا في أيدي حماس وسيجبرها على توسيع القتال إلى درجة الانزلاق إلى معركة طويلة.
إن الطرفين رغبا في الامتناع عن ذلك. بوساطة مصرية تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار، الذي سيكون اختباره في المظاهرات على الجدار يوم الجمعة المقبل. إسرائيل صممت خلال يومي القتال على عدم السماح بوصول الفلسطينيين إلى الجدار من اجل محاولة أن ترسخ من جديد الباروميتر الأمني على طول الجدار. من المعقول أن حماس ستحاول تحدي ذلك بعد غد. ومشكوك فيه أن إسرائيل ستصمم على ذلك، من اجل عدم تجدد القتال.
ولكن اختبار التهدئة الجديد الذي تم التوصل اليه أمس سيكون أطول. حماس سيطلب منها الحفاظ على كبح مطلقي البالونات والطائرات الورقية، والحفاظ على منع تجاوز الابحار وكذلك الحفاظ على وقف المظاهرات في شمال القطاع، وبعد ذلك أيضا تقليص العنف في مظاهرات يوم الجمعة. إسرائيل سيطلب منها ليس فقط عدم العمل بصورة مكشوفة في غزة، بل أيضا بصورة سرية. اثناء القتال تم وضع جانبا النشاط الخاص الذي قتل فيه المقدم (م)، ولكن صداه وتداعياته ستواصل مرافقة هذا القطاع (والجيش) لفترة طويلة وسيطلب ايجاد رد بدون القليل من المعضلات المعقدة التي ثارت الآن.
بعد ذلك ستطرح مرة اخرى مسألة جثث الجنود والمواطنين الإسرائيليين المحتجزين في غزة، وكذلك مسألة الاموال. اذا لم يتم ادخال أموال نقدية إلى غزة فإن حماس ستحشر في الزاوية، والعنف سيتجدد. اذا تم ادخال الاموال فستتهم إسرائيل بأنها تساعد ليس فقط في اعادة تأهيل سكان القطاع، بل تساعد حماس أيضا على اعادة بناء الاجهزة والقدرات التي فقدتها في الايام الاخيرة (التي تقدر بأكثر من الـ 15 مليون دولار التي حولتها قطر).
كل ذلك سيضمن أن مشكلة غزة ستستمر في مرافقتنا أيضا في الفترة القريبة القادمة. في ظل غياب قرار بحل استراتيجي ستواصل إسرائيل اطفاء حرائق، وهذه سياسة شرعية وإن كانت خطيرة لأنها تترك فضاء أوسع للمناورة للمنظمات الإرهابية في القطاع. علينا الأمل بأن قرار عدم تغيير ذلك الآن – حتى بثمن مس معين بالردع – لا يتضح لاحقا بأنه كان خاطئا.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock