أفكار ومواقف

سياسة الإغلاق والحكمة بأثر رجعي

د. عاصم منصور

كنت أوردت في مقال لي نشر في الغد في أيار العام 2020، بعنوان «هل أصابت السويد وأخطأ العالم؟» أنه قد كان لتجربة الصين «الناجحة» في احتواء الوباء دوراً كبيراً في دفع دول العالم لتبني سياسة الإغلاق؛ ربما دون قناعة فقد غلبت هذه الدول غريزة الخوف فاختارت العزلة خشية تحمل مسؤولية الخسائر البشرية المتوقعة والكلفة السياسية الهائلة لهذه الخسائر، لكن السويد شذّت عن القاعدة واختطت لنفسها سياسة مستقلة تقوم على الإبقاء على مظاهر الحياة دون تغيير يذكر.

وبالرغم من هذه السياسة التي اتبعتها دولة مثل السويد المعروفة بارتفاع معدل عمر مواطنيها مقارنة بدول اوروبية أخرى، إلا أن عدد الوفيات والإصابات كان أقل من نظرائه في الدول الأخرى التي اتبعت سياسة الإغلاق فما هذه المفارقة!

وقد عادت بي الذاكرة إلى هذا المقال، بينما كنت أطالع الدراسة الحديثة التي صدرت عن جامعة «جون هوبكينز» في الولايات المتحدة الأميركية، والتي خلصت إلى أنه لم يكن لسياسة الإغلاق التي انتهجتها معظم دول العالم في ظل انتشار الجائحة أي تأثير إيجابي يذكر من حيث تقليل نسب الوفاة بالفيروس!

وهذه الدراسة قامت بتحليل أثر سياسة الإغلاق خلال الموجة الأولى للوباء من خلال مراجعة ثلاثين بحثاً منشوراً من قبل باحثين من الولايات المتحدة وأوروبا وتوصلت إلى أن تأثير هذه السياسة المتشددة على احتمالية الوفاة بالفيروس لم تتجاوز ما نسبته (0.2 %)، واعتبرت نسبة ضئيلة جداً مقارنة بالكلف العالية التي ترتبت إثر تبني مثل هذه السياسات الصارمة على اقتصاد الدول وتسجيل خسائر بشرية كبيرة بسبب إهمال الشؤون الصحية الأخرى. مما فاقم من مشكلة البطالة وخلّف آثاراً سلبية خطيرة على العملية التعليمية والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

وهذه الدراسة على أهميتها إلا أنه يشوبها بعض الهنات، ذلك أنها أجريت من قبل خبراء في علم الاقتصاد بعيداً عن مشاركة علماء الأوبئة، كما أنها تتعارض مع دراسات أخرى أجريت حول سياسة الإغلاق وأشهرها تلك الصادرة عن جامعة كولومبيا وكانت نتائجها مناقضة لنتائج دراسة جامعة هوبكينز والتي ذكرت بأن سياسة الإغلاق قد أنقذت آلاف الأرواح وخصوصاً في بداية الجائحة حيث كان الفيروس ما يزال غامضاً ومضللاً؟

وقد اكتفت الدراسة الصادرة عن جون هوبكينز بتناول محور واحد أخضعته للبحث وهو نسب الوفيات ولم تدرس تأثير سياسة الاغلاق على نسب الإصابات ونسب دخول المصابين للمستشفيات، حيث شاهدنا كيف انهارت نظم صحية كثيرة حول العالم بسبب ارتفاع أعداد المصابين ونقص المواد الطبية وعدم توفر الأسرة، وعدم توفر اللقاح في بداية الجائحة، مما دفع بهذه الدول إلى انشاء مستشفيات ميدانية والعمل على مبدأ الأولوية في الحصول على السرير والأكسجين والرعاية الطبية!

وحقيقةً ليس أسهل من ادعاء الذكاء بأثر رجعي والتنظير بعد أن تكون غبار المعركة قد بدأت بالانقشاع، وبانت بعض سلبيات القرارات المتخذة وسط ظرف غير مسبوق من التخبط وانعدام الرؤية والفهم لعدو لم نخبره من قبل؛ لكن من الضروري أن نفرد وقتاً وجهداً لعمل دراسة علمية رصينة حول الإجراءات التي اتخذتها الدول في بداية انتشار الجائحة لتساعدنا في المستقبل على تجنب الوقوع في الخطأ، فلا توجد لدينا ضمانات على أننا لن نواجه ظروفا مشابهة في المستقبل.

المقال السابق للكاتب

بيغاسوس ودبلوماسية التجسس

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock