ترجمات

سياسة دقّ الإسفين لن تجلب السلام الإسرائيلي-الفلسطيني

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

رونالد آر. كيربس* – (فورين بوليسي) 8/7/2019
تهدف خطط جاريد كوشنر إلى فصل الفلسطينيين عن قادتهم، لكنها تفشل في إدراك أن الناس ساخطون من فساد قيادتهم مسبقاً -بينما تفشل أيضاً في ممارسة أي ضغط مماثل على رئيس وزراء إسرائيلي يواجه تهماً بالفساد.
* * *
في الشهر الماضي، أطلق جاريد كوشنر أولى غزوات إدارة ترامب المرئية لعملية صنع السلام في الشرق الأوسط. وقد استُقبِل برنامج “السلام من أجل الازدهار” للاستثمار الاقتصادي في المناطق الفلسطينية والمنطقة، والذي قدمه كوشنر، والمبعوث الأميركي جيسون غرينبلات، والسفير الأميركي في إسرائيل ديفيد فريدمان، بالانتقادات من الجميع تقريباً -باستثناء اليمين الإسرائيلي.
رفض المسؤولون الفلسطينيون الخطة على الفور، متهمين الإدارة بمحاولة تطبيع الاحتلال و”تصفية القضية الفلسطينية في مقابل حفنة من الدولارات”. ويستطيع المرء أن يتفهم شكوكهم، بالنظر إلى سياسات إدارة ترامب الملتوية. لكن سبب اعتراضهم الحقيقي يظل أكثر شخصية.
تستند الخطة إلى فرضية أن القادة الفلسطينيين الذين ظلوا في السلطة منذ وقت طويل كانوا غير مخلصين للمصالح الحقيقية لشعبهم. والهدف منها هو دق إسفين بين السلطة الفلسطينية والشعب، والمراهنة على أن الضغط من أسفل إما سيجبر السلطة الفلسطينية على تقديم تنازلات ستكون بخلاف ذلك غير مستساغة، أو أنه سيمهد الطريق أمام قدوم قيادة فلسطينية جديدة أكثر براغماتية.
يفهم نهج دق الإسفين هذا شيئاً واحداً بطريقة صحيحة: على مدى عقود، كان الفلسطينيون مثقلين بقادة لم يخدموهم جيداً، والذين ساعدت إخفاقاتهم على إطفاء الجمرات الخافتة المتبقية لعملية السلام.
لكن هذا النهج يفهم كل شيء آخر بطريقة خاطئة. وسوف يكون محكوماً بالفشل حتى لو أن إدارة ترامب اعترفت بأن إسرائيل تعاني من فقر موازٍ في القيادة، ولو كانت الخطة قد سعت إلى دق الأسافين عند كلا الجانبين.
لم تعلن إدارة ترامب صراحة أن هدفها هو تحييد القيادة الفلسطينية الحالية أو استبدالها. لكن المرء لا يحتاج إلى أن يبحث كثيراً بين السطور لكي يرى ذلك. في البحرين الشهر الماضي، أرسل كوشنر “رسالة مباشرة إلى الشعب الفلسطيني”. واتهم ضمنياً القادة الفلسطينيين بالإفلاس الأخلاقي لأن “مقادير هائلة من الأموال تم إهدارها على الفساد، والذخائر، والصراع” بدلاً من أن “يتم استثمارها في البنية التحتية والتعليم، وتدريب القوى العاملة والرعاية الصحية”.
وحيث استكشف كوشنر الطريق، تبعه الآخرون: فقد شخَّص المتحدثون، واحداً تلو الآخر، المشكلات الأساسية التي تعوق الاستثمار، والتنمية الاقتصادية، والأمل في المناطق الفلسطينية، مثل ضعف الحكم، وضعف الشفافية، وغياب حكم القانون. ومَن غير القيادة الفلسطينية يمكن أن يكون مسؤولاً عن هذه العيوب؟ وقد عرض ألان ديرشوفيتز، المدافع الدائم عن إدارة ترامب، هذا السرد بوضوح في دفاعه عن الخطة: “كان هذا هو تاريخ القادة الفلسطينيين منذ البداية: إنهم يبدون أقل اهتماماً بمساعدة شعبهم من اهتمامهم بإيذاء إسرائيل”.
ما كان يمكن أن يكون كوشنر وغرينبلات وفريدمان خاضعين لأي وهم بأن القادة الفلسطينيين سوف يتبنون رؤيتهم -وهو ما كان الفكرة بالضبط. من وجهة نظرهم، تشكل القصة الفلسطينية مأساة: حيث القادة يصرون على النقاء المطلق في التعامل مع القضية الوطنية، بينما الناس يتحملون التكلفة.
يكمن رهان الخطة في أن برنامجها الملموس والمفصل -الذي يشكل مجرد دفعة مقدماً مما سيجلبه السلام- سيلقى قبولاً قوياً لدى الفلسطينيين العاديين بحيث أنهم سيطلبون من قادتهم الدخول في مفاوضات ذات معنى مع الإسرائيليين. وبذلك، إما أن يصبح القادة الفلسطينيون أكثر استجابة لرغبات شعبهم، أو أنه سيتم التخلي عنهم. وهذا هو السبب في أن الخطة تضع الاقتصاد قبل السياسة؛ ويتطلب نهج الإسفين هذا التسلسل للأحداث بالتحديد.
يمكن للمرء أن يفهم جاذبية تجاوز السلطة الفلسطينية، تماماً كما يستطيع المرء أن يفهم جاذبية تجاوز أو استبدال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
لقد عانى كل من الفلسطينيين والإسرائيليين من الأعباء التي يُرتبها وجود قيادة فاسدة وغير مسؤولة. في المناطق الفلسطينية، تمتلئ شوارع رام الله بالسيارات الفارهة، ومحلات الأزياء الراقية، والمطاعم الفخمة، في حين يعيش سكان جنين في فقر -بل ويعيش أولئك في غزة ضائقة أكثر قسوة. ولم يكن هناك ما يماثل الحذر المفرط للرئيس الفلسطيني محمود عباس سوى ازدواجيته. وقد فشل في التحدث علناً وبصدق -ليس مع الإسرائيليين فحسب، وإنما أيضاً مع شعبه نفسه، عما يمكن أن ينطوي عليه أي سلام واقعي.
وفي إسرائيل، يوشك نتنياهو أن يواجه اتهامات بالفساد بينما يلعب دور الشهيد ويقوم بشيطنة الإعلام والمجتمع المدني التقدمي. وفي حين يستأثر رواد مؤسسات التكنولوجيا الذين اغتنوا حديثاً بعناوين الأخبار في “الأمة الناشئة”، فإن الإسرائيلي العادي يكافح من أجل الوفاء بحاجياته وتغطية نفقاته. وفي الأثناء، يتظاهر اليمين الإسرائيلي بأن معضلة إسرائيل الثلاثية، الحقيقية جداً، غير موجودة. ويتفق المحللون الجادون كافة على أن إسرائيل يمكن أن تكون اثنين فقط مما يلي وليس الثلاثة جميعاً: دولة ذات شخصية يهودية؛ أو دولة ذات حكم ديمقراطي؛ أو منطقة تمتد إلى نهر الأردن.
عندما عرضتُ هذه المعضلة الثلاثية في آذار (مارس) 2018 على قائدة المجتمع المدني الأكثر مطالبة بجعل فكرة سيادة إسرائيل على الضفة الغربية جزءاً من النقاش السائد، نادية مطر من حركة “نساء بالأخضر” الاستيطانية، قللت من شأن أطروحتي بالجنوح إلى الخيال: سوف يقوم مليونان من اليهود من الشتات بالهجرة إلى إسرائيل، كما جزمت مطر. وربما يبدو هذا “الحل” مقبولاً، لكن العديد من الساسة الإسرائيليين البارزين الذين يدعون الآن إلى ضم الضفة الغربية ليست لديهم أي إجابة حقيقية عن اللغز.
ربما لا تكون صفقة جاريد كوشنر وجيسون غرينبلات صفقة القرن، لكن هناك خطوات انتقالية يمكن أن يتخذها المسؤولون الأميركيون والعرب للمساعدة على جلب الاستقرار إلى الضفة الغربية وغزة.
بالنظر إلى القيادة السيئة على كلا الجانبين، فإن نهج الإسفين يبدو جذاباً في ظاهره -لكنه لا يمكن أن ينجح لثلاثة أسباب:
أولاً: كان عدم الرضا عن القيادات الحالية واضحاً مسبقاً لدى كلا الشعبين. ولا يحتاج أي منهما إلى جزَر واشنطن ولا إلى عصيِّها ليتخلصوا من قيادتيهما الحاليتين. وقد عبر الفلسطينيون منذ وقت طويل عن إحباطهم من حقيقة أنه لم يتم عقد أي انتخابات رئاسية منذ العام 2005، ويريد 60 في المائة منهم استقالة عباس.
منذ فترة طويلة، أظهر الفلسطينون في استطلاعات الرأي رغبتهم الشديدة في المصالحة بين فتح وحماس. ومنذ فترة طويلة عبروا عن عدم ثقتهم بقادتهم السياسيين وقلقهم من الفساد المتفشي. كل ذلك كان من دون جدوى في السهول الجرداء المتجمدة للسياسة الفلسطينية.
وعلى الجهة الأخرى، يبدو الإسرائيليون أقل استياء من نتنياهو من مللهم من رئيس الوزراء وأتباعه. ومع ذلك، فإنهم يرون القليل من البدائل هم أيضاً: إنه أسوأ رئيس وزراء يمكن أن تحصل عليه إسرائيل -باستثناء كل الآخرين. وبالتالي، وعلى الرغم من أن توقع أفوله مراراً وتكراراً، سوف يصبح نتنياهو قريباً رئيس الوزراء الأطول خدمة في تاريخ البلد. وكما كتب ستيفن كوك مؤخراً في مجلة “فورين بوليسي”، فإنه “إذا كان نتنياهو معنياً بتبني شعار حملة جديد، فسوف يكون ذكياً إذا فكر في: يمكن أن تكون الأمور أسوأ”.
بالإضافة إلى ذلك، تبدو السياسات اليمينية أكثر هيمنة من أي وقت مضى في إسرائيل. ومن اللافت أن المنافس الرئيسي لحزب الليكود، عندما اختار لنفسه اسماً، لف نفسه بعلم: أزرق وأبيض، وأدار حملة في نيسان (إبريل) الماضي استندت إلى الشخصية أكثر مما استندت إلى الجوهر. وأكدت الفيديوهات الأولى لحملة الحزب على القسوة الدموية لزعيم الحزب، بيني غاتس، رئيس هيئة الأركان السابق لجيش الدفاع الإسرائيلي؛ وتحت قيادته للجيش، في العام 2014 “تمت إعادة أجزاء من غزة وراء إلى العصر الحجري”، كما تبجح الإعلان. وعلى الرغم من وجود الجنرالات السابقين الثلاثة والشخصية التلفزيونية الشعبية على رأس الحزب، وعلى الرغم من رسالته القومية، وعلى الرغم من ملل الناس من نتنياهو، لم يستطع حزب “أزرق وأبيض” مع ذلك أن يتقدم بما يكفي لضمان توجيه الدعوة إليه لمحاولة تشكيل حكومة. ولو أنك قمت بإزاحة نتنياهو وشخصيته السامة جانباً، فإنك ربما ستُترك مع نسخة أكثر لطفاً وأقل قابلية للاعتراض من الشيء نفسه فحسب.
يتغاضى التقدم إلى الناس مباشرة -كما فعل كوشنر في البحرين- عن الإجهاد والسأم من القيادة على كلا الجانبين. وقد استنتج تحليل مشترك موثوق في كانون الأول (ديسمبر) 2018، أجراه مستطلعان يساريان، أحدهما فلسطيني والآخر إسرائيلي، وبشكل مؤسف وإنما دقيق، أنه على الرغم من أن “الرأي العام في كل من فلسطين وإسرائيل… لا يشكل عائقاً أمام التوصل إلى اتفاق”، فإنه أيضاً “ليس قوة دافعة للسلام على كلا الجانبين”.
ثانياً، ثمة القليل من الأسباب للاعتقاد بأن نهج الإسفين هذا يمكن أن ينجح. ويُظهر البحث الأكاديمي أن سياسات الضغط الخارجي هي أكثر احتمالاً لتحريض مشاعر التحدي الجماهيري القومي، بل وحتى لإثارة أكبر من عدم الرضا من الحكومة، من احتمال إنتاج اتجاهات تصالحية -ناهيك عن مطالب شعبية بالتغيير. وحالة إسرائيل كاشفة. لم يفعل تزايد الانتقادات الدولية على مدى العقد الماضي، بما في ذلك الدعوات إلى المقاطعة، سوى تغذية مشاعر الإسرائيليين بالعزلة وتكثيف اعتناقهم للقومية. أما مشاحنات الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، العلنية مع نتنياهو وجهوده الصوتية لتخفيف النزعة التوسعية الإسرائيلية، والتي تُوجت بامتناع الولايات المتحدة عن التصويت على قرار حاسم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في العام 2016، فقد أتت بنتائج عكسية فقط، حيث وضع الإسرائيليون العربات في دائرة وتوحدوا للدفاع عن مصالحهم.
من الصعب رؤية أي أدوات تنجح حيث أخفق الضغط. ولم يفعل موقف ترامب المتواطئ وغير المنتقد تجاه إسرائيل -وهو أكبر الحوافز على الإطلاق- سوى تعزيز اليمين القومي في البلاد. وسوف تبدو أي مساعدات مالية يمكن أن تجمعها خطة ترامب لمشاريع البنية التحتة الفلسطينية شاحبة تماماً مقارنة بالثروة التي يمكن أن تأتي في أعقاب اتفاق سلام حقيقي.
بالاندماج في الدينامية الإسرائيلية، سيكون اقتصاد بحجم نحو 400 مليار دولار هو الجائزة الحقيقية، وسوف يتدفق الاستثمار الدولي إلى فلسطين مستقرة -ومع ذلك، لم يدفع هذا الأفق المغري الفلسطينيين إلى اللين.
ثالثاً، في حين أن لدى الولايات المتحدة نفوذا حقيقيا على القادة الفلسطينيين، كما أظهرت التخفيضات الأخيرة في التمويل، فإنها لا تمتلك الفرصة لاستخدام استراتيجية دق الإسفين مع إسرائيل. فإسرائيل اليوم بلد ثري باقتصاد متنوع. وهناك من الشركات التي تعمل في إسرائيل والمسجلة على قوائم بورصة “ناسداك” أكثر من مثيلاتها من أي بلد آخر -باستثناء الولايات المتحدة والصين. ولا تحتاج إسرائيل إلى مساعدة عالمية، وهي تتمتع مسبقاً بدعم سياسي قوي من الولايات المتحدة.
لا يقتصر الأمر على أن لدى الولايات المتحدة القليل من الجزَر لتلقيه في طريق إسرائيل، وإنما لديها عدد أقل من العصيّ مما قد يظن المرء أيضاً. يمكن أن تهدد واشنطن بإنهاء تبادل المعلومات الاستخبارية، وإنهاء شراكتها مع إسرائيل في التقنيات العسكرية، ووقف التعاون بين جيشي البلدين. لكن هذه العلاقات مهمة للولايات المتحدة بقدر ما هي مهمة لإسرائيل. وعلى الرغم من أن المساعدة العسكرية الأميركية تشكل نحو 16 في المائة من الإنفاق الدفاعي الإسرائيلي، فإن الكثير من تلك المساعدة يتدفق عائداً إلى القطاع الدفاعي الأميركي، وسوف يعاني هذا القطاع أكثر من غيره في حال نضبت الهبات الأميركية لإسرائيل. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يقوم أثرياء إسرائيل بالتأكيد -ولو ليس بسهولة- بتعويض الفرق.
نعم، تحتاج إسرائيل إلى الدفاع الصاروخي، ولكن كذلك تفعل الولايات المتحدة: العمل الأميركي-الإسرائيلي المشترك على “القبة الحديدية” و”مقلاع داود” وغيرهما من الأنظمة الدفاعية يخدم مصالح الولايات المتحدة بقدر ما يخدم مصالح إسرائيل. وفي الأثناء، فإن شبكة الاستخبارات الإسرائيلية، وخاصة في المنطقة، لا تضاهى. وإذا كان المساس بهذه الأمور غير وارد، فكذلك سيكون بالتأكيد أمر دعم حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل.
أخيراً، تستطيع الولايات المتحدة أن تتوقف عن استخدام حق النقض “الفيتو” لحماية إسرائيل في الأمم المتحدة، لكن تجربة أوباما كانت بمثابة قصة تحذيرية، حتى بالنسبة للديمقراطيين: في إسرائيل، حفز ذلك القليل من البحث في الذات، وشجع بدلاً من ذلك على طرح الأسئلة حول إخلاص أميركا كحليف؛ وفي الوطن، أدى إلى تقسم الحزب وجلب الهجمات من اليمين.
إن إدارة ترامب محقة بأن هناك افتقاراً إلى القيادة الفلسطينية. وهي مخطئة في الاعتقاد بأن القيادة الفلسطينية فقط هي الغائبة. بل إنها مخطئة أكثر بالتفكير بأنها ستستطيع أن تشق طريقها إلى السلام بطريقة دق الإسفين.

*أستاذ بيفرلي وريتشارد فينك في الفنون الليبرالية وأستاذ العلوم السياسية في جامعة مينيسوتا، وباحث مشارك في معهد الحرب الحديثة في وستبوينت. وهو يؤلف كتاباً عن آثار الصراعات العنيفة على الديمقراطية، بما في ذلك إسرائيل.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
Wedge Politics Won’t Bring Israeli-Palestinian Peace

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock