يختصرن الوطن بعيونهن، ويربين الأمل والعزيمة والإصرار، لم يتركن شيئا يقف في طريقهن، فجابهن الظروف الصعبة وتحدين المعوقات، أملا وسعيا لتوفير حياة هانئة وكريمة لهن ولأبنائهن.
بابتسامة تملأ وجها لا يخلو من تجاعيد تعكس تعب الأيام، وبلهجة بسيطة وعفوية، استذكرت سيدة مشوار حياة متعب، لكنها تفتخر بكل تفاصيله، فتكفيها فرحتها بتخرج أبنائها الأربعة من الجامعة، وهي المعيلة الوحيدة لعائلتها بعد وفاة زوجها.
لم تقف المرأة القوية تنتظر مساعدة من هنا وهناك، بل عملت من منزلها بمهن كثيرة كي تدر دخلا يكفي أبناءها ومستلزماتهم اليومية الكثيرة التي لا تنتهي، من معيشة ومصاريف مدارس وجامعات.
في كل موسم كانت تعمل بحسب ما هو متوفر، سواء بالمخبوزات والأطعمة البيتية وبيعها، أو المخللات والزيتون والألبان، وحتى في الموسم الزراعي؛ كانت تذهب وتحصد من خيرات الأرض مقابل مبلغ تستعين به على مصاعب الحياة.
تلك السيدة التي تجاوز عمرها 60 عاما، تعمل ليل نهار، وتشارك في مشاريع كثيرة لتجهيز الخبز العربي والكشك وأنواع كثيرة من المعجنات، وتكون حاضرة دائما ببدائل جديدة للعمل لكي لا تشعر أنها غير منتجة، أو أنها من الممكن أن تكون عالة على أحد.
لكنها ليست وحيدة في هذا السياق؛ فالنساء المكافحات كثيرا حولها، ويواجهن ظروفا لا تختلف كثيرا عنها، لكنهن عاندن الظروف سعيا وراء تأمين متطلبات الحياة. كل واحدة منهن تمتلك حكاية لا تنتهي من العمل والصبر والإصرار، فهن جميعا المعيلات الوحيدات لأسرهن، ولا يملكن ترف الاستسلام للبطالة، بل يجترحن دائما المعجزات، ويبحثن عن كل أفق ممكن للإنتاج، لكي يؤمّنّ ما تقتضيه الحياة عليهن.
لكنهن في مجتمعهن الصغير، وجدن من يمد يد العون لهن، ويساهم في تسويق ما يقمن بإنتاجه، بل ويشجعهن على العمل من بيوتهن. كل ذلك من خلال بيت “خيرات سوف” في جرش، ذلك المبنى التراثي القديم الذي يتجاوز عمره 120 عاما، والذي يمتلئ بأناس يبحثون عن الأصالة والأجواء التراثية والأكلات الشعبية ذات المذاق المميز، والتي صنعت بأيد ماهرة.
يدخل الزائر إلى بيت “خيرات سوف”، ويبدأ جولة تذوقه لكل ما هو متوفر في المكان من أطعمة ومشروبات، وقهوة البلوط، والمنتوجات المغلفة بطريقة لافتة، والمعروضة بدكان صغير، والتي جميعها من صنع نساء يعشن في سوف بجرش.
القائمون على بيت “خيرات سوف” يتعاونون مع النساء بشتى المجالات، ويرشدوهن إلى أنماط إنتاج جديدة باستمرار، مثل أشتال الأعشاب الطبيعية التي على وشك الانقراض والتي يشجعوهن على زراعتها في حاكورة المنزل لديهن، لزيادة المساحة الخضراء، والعودة لشرائها منهن بعد ذلك لصالح إنتاج “البيت”، وبالتالي تأمين دخل مالي إضافي.
كذلك، يتم التعاون مع النساء لتوثيق المنتج المحلي عبر تشغيلهن بطهي أكلات تراثية، مثل المكمورة أو المخبوزات الشعبية وأصناف عديدة أخرى، وتوصيلها بعد ذلك لبيت خيرات سوف ليتذوق منه الزبائن هناك.
داخل أروقة البيت تعمل وتتعاون نساء عديدات من المجتمع المحلي، سواء فتيات تخرجن من الجامعة حديثا أو سيدات كبار بالسن، وكذلك من ذوي الإعاقة. كل واحدة لديها مهارة محددة. وفي المخبز الصغير الواقع بزاوية المكان، تقف 3 سيدات كل واحدة تتفنن بالعجن والخبز والكشك داخل فرن بلدي أصيل أمام الزوار، وكلهن فرح لأنهن وجدن من يلتفت لهن ويقدر مهاراتهن المختلفة.
“خيرات سوف” مظلة تستحق الاحترام، فهي تدعم نساء جرشيات وتخرج أفضل ما لديهن، وتمنحهن فرصة حقيقية بتأمين حياة أفضل لهن ولأبناهن. ألف تحية لأولئك النساء المحاربات، ولـ”بيت خيرات سوف”.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock