فكر وأديان

“سيداو” بين أخذ ورد

نصري الطرزي*

يلاحظ المرء، إثر كل تصريح أو قرار رسمي بشأن اتفاقية سيداو (اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة)، أن انتقادات تشن على هذه الاتفاقية؛ فتعلو الأصوات المعارضة، ويتتالى الهجوم، ويتم اتهام الاتفاقية بأنها أداة من أدوات تفكيك الأسرة وتدمير المجتمع ونشر الرذيلة والفساد.
سنفند في هذا المقال الانتقادات التي توجه إلى “سيداو”، متخذين مقال الكاتب أسامة شحادة “لماذا نرفض اتفاقية سيداو؟”، والمنشور في “الغد” بتاريخ 14/12/2012، مثالا للاعتراضات التي قدمت على الاتفاقية على مدى بضعة سنوات، ومن قبل العديد من الكتاب. وسنورد الاعتراضات على بنود في الاتفاقية كما وردت بالنص في المقال المذكور، لنعرض بعد كل اعتراض نص البند المعني كما ورد في الترجمة العربية للاتفاقية، والصادر عن الأمم المتحدة، كي يتاح للقارئ الحكم بنفسه على موضوعية الاعتراض. وفي نهاية المقال سنحاول استخلاص ما تعنيه هذه الاعتراضات.
الاعتراض الأول: “المادة (2) من الاتفاقية تجعل مرجعية المواثيق الدولية فوق مرجعية الإسلام في الأحوال الشخصية، وفي هذا مناقضة مع دعوى العلمانيين بأن الشريعة مطبقة في قوانين الأحوال الشخصية”.
فيما تنص المادة (2) على ما يلي: “تشجب الدول الأطراف جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وتتفق على أن تنتهج، بكل الوسائل المناسبة ودون إبطاء، سياسة تستهدف القضاء على التمييز ضد المرأة. وتحقيقا لذلك تتعهد بالقيام بما يلي:
(أ) إدماج مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في دساتيرها الوطنية أو تشريعاتها المناسبة الأخرى، إذا لم يكن هذا المبدأ قد أدمج فيها حتى الآن، وكفالة التحقيق العملي لهذا المبدأ من خلال التشريع وغيره من الوسائل المناسبة الأخرى.
(ب) اتخاذ المناسب من التدابير التشريعية وغيرها، بما في ذلك ما يقتضيه الأمر من جزاءات، لحظر كل تمييز ضد المرأة.
(ج) إقرار الحماية القانونية لحقوق المرأة على قدم المساواة مع الرجل، وضمان الحماية الفعالة للمرأة، عن طريق المحاكم الوطنية ذات الاختصاص والمؤسسات العامة الأخرى، من أي عمل تمييزي.
(د) الامتناع عن الاضطلاع بأي عمل تمييزي أو ممارسة تمييزية ضد المرأة، وكفالة تصرف السلطات والمؤسسات العامة بما يتفق وهذا الالتزام.
(هـ) اتخاذ جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة من جانب أي شخص أو منظمة أو مؤسسة.
(و) اتخاذ جميع التدابير المناسبة، بما في ذلك التشريع، لتعديل أو إلغاء القوانين والأنظمة والأعراف والممارسات التي تشكل تمييزا ضد المرأة.
(ز) إلغاء جميع أحكام قوانين العقوبات الوطنية التي تشكل تمييزا ضد المرأة”.
الاعتراض الثاني: “المادة (3) من الاتفاقية تدعو لرفض تفريق الشريعة بين دور الرجل والمرأة بالعدل وإعطاء كلٍ منهما حقه، والمطالبة بالمساواة المطلقة، والمطالبة برفض أحكام الشريعة في الزواج كإعطاء المرأة مهراً، وجعل الطلاق بيد الرجل، ووضع عدة للمرأة، وتقسيم الميراث”.
أما نص المادة (3) فهو: “تتخذ الدول الأطراف في جميع الميادين، ولا سيما الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، كل التدابير المناسبة، بما في ذلك التشريع، لكفالة تطور المرأة وتقدمها الكاملين. وذلك لتضمن لها ممارسة حقوق الإنسان والحريات الأساسية والتمتع بها على أساس المساواة مع الرجل”.
الاعتراض الثالث: “المادة (6) من الاتفاقية تبين عدم معارضة عمل النساء في الدعارة لحساب أنفسهن! ولكن المشكلة عندهم أن يستغلهن أحد”.
فيما نص المادة (6) يقول: “تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة، بما في ذلك التشريع، لمكافحة جميع أشكال الاتجار بالمرأة واستغلال دعارة المرأة”.
أما الاعتراض الرابع فعلى المادة (10) من الاتفاقية لأنها “تحث السيداويين لنشر الثقافة الجنسية بين الأطفال – الطفل عندهم ما دون 18 سنة– بحجة حقهم في المعرفة. وهذا نشر للفساد والتحلل كما نشاهد من حال الأطفال في المجتمعات الغربية حتى يتعذر اللقاء بشباب أطهار لم يتنجسوا بجريمة وفاحشة الزنا والشذوذ إلا نادراً”.
فيما تنص المادة (10) على ما يلي: “تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة لكي تكفل للمرأة حقوقا مساوية لحقوق الرجل في ميدان التعليم، وبوجه خاص لكي تكفل، على أساس تساوي الرجل والمرأة:
(أ) نفس الظروف للتوجيه الوظيفي والمهني، والوصول إلى الدراسات والحصول على الدرجات العلمية في المؤسسات التعليمية من جميع الفئات، في المناطق الريفية والحضرية على السواء؛ وتكون هذه المساواة مكفولة في المرحلة السابقة للالتحاق بالمدرسة وفي التعليم العام والتقني والمهني والتعليم التقني العالي، وكذلك في جميع أنواع التدريب المهني.
(ب) توفر نفس المناهج الدراسية، ونفس الامتحانات، وهيئات تدريسية تتمتع بمؤهلات من نفس المستوى، ومبان ومعدات مدرسية من نفس النوعية.
(ج) القضاء على أي مفهوم نمطي عن دور الرجل ودور المرأة على جميع مستويات التعليم وفي جميع أشكاله عن طريق تشجيع التعليم المختلط، وغيره من أنواع التعليم التي تساعد في تحقيق هذا الهدف، ولاسيما عن طريق تنقيح كتب الدراسة والبرامج المدرسية وتكييف أساليب التعليم.
(د) نفس الفرص للاستفادة من المنح التعليمية وغيرها من المنح الدراسية.
(هـ) نفس الفرص للوصول إلى برامج التعليم المتواصل، بما في ذلك برامج تعليم الكبار ومحو الأمية الوظيفية، ولاسيما التي تهدف إلى أن تضيق، في أقرب وقت ممكن، أي فجوة في التعليم قائمة بين الرجل والمرأة.
(و) خفض معدلات ترك المدرسة قبل الأوان بين الطالبات، وتنظيم برامج للفتيات والنساء اللائي تركن المدرسة قبل الأوان.
(ز) نفس الفرص للمشاركة النشطة في الألعاب الرياضية والتربية البدنية.
(ح) الوصول إلى معلومات تربوية محددة للمساعدة في ضمان صحة الأسر ورفاهها، بما في ذلك المعلومات والنصح عن تخطيط الأسرة”.
والاعتراض الخامس على المادة (11) التي “تستبطن احتقار دور الأم في تربية أولادها وخدمتهم، وكأن خدمة الآخرين رقي وخدمة الأهل عيب. واستعجب من هؤلاء  الذين يدّعون مكافحة التمييز والاتجار بالمرأة لماذا لا يعترضون على اشتراط الجمال والأناقة في توظيف النساء؟ بل إنهم لا يرغبون بالمرأة البسيطة وغير (المتحررة). وكم رأيت من فتيات محتشمات من سايرت هؤلاء فترة يسيرة فإذا بها تتطور وتتقدم؛ فتكشف عن جسدها وتطلق حلقات الدخان عالياً، فتحظى بلقب ناشطة في الحقل العام والتنمية المستدامة”.
أما نص المادة (11) فهو:
“1- تتخذ الدول الأطراف جميع ما يقتضي الحال اتخاذه من تدابير للقضاء على التمييز ضد المرأة في ميدان العمل لكي تكفل لها، على أساس تساوي الرجل والمرأة، نفس الحقوق ولاسيما:
(أ) الحق في العمل بوصفه حقا غير قابل للتصرف لكل البشر.
(ب) الحق في التمتع بنفس فرص التوظيف، بما في ذلك تطبيق معايير الاختيار نفسها في شؤون التوظيف.
(ج) الحق في حرية اختيار المهنة ونوع العمل، والحق في الترقي والأمن الوظيفي، وفى جميع مزايا وشروط الخدمة، والحق في تلقي التدريب وإعادة التدريب المهني، بما في ذلك التلمذة الصناعية والتدريب المهني المتقدم والتدريب المتكرر.
(د) الحق في المساواة في الأجر، بما في ذلك الاستحقاقات، والحق في المساواة في المعاملة فيما يتعلق بالعمل المتعادل القيمة، وكذلك المساواة في المعاملة في تقييم نوعية العمل.
(هـ) الحق في الضمان الاجتماعي، ولاسيما في حالات التقاعد والبطالة والمرض والعجز والشيخوخة وأي شكل من أشكال عدم القدرة على العمل، وكذلك الحق في إجازة مدفوعة الأجر.
(و) الحق في الوقاية الصحية وسلامة ظروف العمل، بما في ذلك حماية وظيفة الإنجاب.
2- توخيا لمنع التمييز ضد المرأة بسبب الزواج أو الأمومة، ضمانا لحقها الفعلي في العمل، تتخذ الدول الأطراف التدابير المناسبة:
(أ) لحظر الفصل من الخدمة بسبب الحمل أو إجازة الأمومة والتمييز في الفصل من العمل على أساس الحالة الزوجية، مع فرض جزاءات على المخالفين.
(ب) لإدخال نظام إجازة الأمومة المدفوعة الأجر أو مع التمتع بمزايا اجتماعية مماثلة دون أن تفقد المرأة الوظيفة التي تشغلها أو أقدميتها أو لعلاوات الاجتماعية.
(ج) لتشجيع توفير ما يلزم من الخدمات الاجتماعية المساندة لتمكين الوالدين من الجمع بين التزاماتهما الأسرية وبين مسؤوليات العمل والمشاركة في الحياة العامة، ولاسيما عن طريق تشجيع إنشاء وتنمية شبكة من مرافق رعاية الأطفال.
(د) لتوفير حماية خاصة للمرأة أثناء فترة الحمل في الأعمال التي يثبت أنها مؤذية لها.
3- يجب أن تُستعرض التشريعات الوقائية المتصلة بالمسائل المشمولة بهذه المادة استعراضا دوريا في ضوء المعرفة العلمية والتكنولوجية، وأن يتم تنقيحها أو إلغاؤها أو توسيع نطاقها حسب الاقتضاء”.
الاعتراض السادس على المادة (12) لأنها: “تدعو للانحلال وشرعنة العلاقات الجنسية المحرمة من خلال التعهد بتقديم الخدمات الصحية للنساء دون اعتبار لكونها متزوجة أو غير متزوجة. وإلا فما هو موقف السيداويين من تحريم ومنع الزنا والشذوذ؟”.
أما نص المادة (12) فهو:
“1-  تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في ميدان الرعاية الصحية من أجل أن تضمن لها، على أساس المساواة بين الرجل والمرأة، الحصول على خدمات الرعاية الصحية، بما في ذلك الخدمات المتعلقة بتنظيم الأسرة.
2- بالرغم من أحكام الفقرة (1) من هذه المادة، تكفل الدول الأطراف للمرأة الخدمات المناسبة فيما يتعلق بالحمل والولادة وفترة ما بعد الولادة، وتوفر لها الخدمات المجانية عند الاقتضاء، وكذلك التغذية الكافية أثناء الحمل والرضاعة”.
ولا تقف الاعتراضات عند هذا الحد، فالمادة (15) “تدعو المرأة للتمرد على أسرتها وتدعوها للسفر والسكن حيثما شاءت بغضّ النظر عن موافقة وليّها من أب أو أخ أو زوج، وهذا فتح باب عريض للفساد والتحلل الأخلاقي على غرار ما يروج له في الأفلام الأجنبية والروايات الغربية حيث تسكن الفتاة مع من شاءت وتُسكن من شاءت”.
أما نص المادة 15 فيقول:
“1- تمنح الدول الأطراف المرأة المساواة مع الرجل أمام القانون.
2- تمنح الدول الأطراف المرأة في الشؤون المدنية، أهلية قانونية مماثلة لأهلية الرجل، ونفس فرص ممارسة تلك الأهلية. وتكفل للمرأة، بوجه خاص، حقوقا مساوية لحقوق الرجل في إبرام العقود وإدارة الممتلكات، وتعاملها على قدم المساواة في جميع مراحل الإجراءات المتبعة في المحاكم والهيئات القضائية.
3- توافق الدول الأطراف على اعتبار جميع العقود وسائر أنواع الصكوك الخاصة التي لها أثر قانوني يستهدف الحد من الأهلية القانونية للمرأة باطلة ولاغية.
4- تمنح الدول الأطراف الرجل والمرأة نفس الحقوق فيما يتعلق بالقانون المتصل بحركة الأشخاص وحرية اختيار محل سكناهم وإقامتهم”.
وأخيراً، هناك الاعتراض الأعظم على “المادة (16) وهي أم الخبائث في الاتفاقية، فهي تدعو لاعتماد الزواج المدنى العلماني، فتسمح بزواج غير المسلم من المسلمة، وتمنع تعدد الزوجات، وتلغي عدة المرأة، وترفض قوامة الرجل على زوجته، وترفض موافقة الولي على زواج وليته، وتمنع الزواج تحت سن 18 سنة”.
أما نص المادة 16 فهو:
“1- تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في كافة الأمور المتعلقة بالزواج والعلاقات الأسرية، وبوجه خاص تضمن، على أساس تساوي الرجل والمرأة:
(أ) نفس الحق في عقد الزواج.
(ب) نفس الحق في حرية اختيار الزوج، وفى عدم عقد الزواج إلا برضاها الحر الكامل.
(ج) نفس الحقوق والمسؤوليات أثناء الزواج وعند فسخه.
(د) نفس الحقوق والمسؤوليات كوالدة، بغض النظر عن حالتهما الزوجية، في الأمور المتعلقة بأطفالها وفي جميع الأحوال تكون مصلحة الأطفال هي الراجحة.
(هـ) نفس الحقوق في أن تقرر، بحرية وبشعور من المسؤولية، عدد أطفالها والفترة بين إنجاب طفل وآخر، وفي الحصول على المعلومات والتثقيف والوسائل الكفيلة بتمكينها من ممارسة هذه الحقوق.
(و) نفس الحقوق والمسؤوليات فيما يتعلق بالولاية والقوامة والوصاية على الأطفال وتبنيهم، أو ما شابه ذلك من الأنظمة المؤسسية، حين توجد هذه المفاهيم في التشريع الوطني، وفي أن تكون مصلحة الأطفال هي الراجحة.
(ز) نفس الحقوق الشخصية للزوج والزوجة، بما في ذلك الحق في اختيار اسم الأسرة والمهنة والوظيفة.
(ح) نفس الحقوق لكلا الزوجين فيما يتعلق بملكية وحيازة الممتلكات والإشراف عليها وإدارتها والتمتع بها والتصرف فيها، سواء بلا مقابل أو مقابل عوض ذي قيمة.
2- لا يكون لخطوبة الطفل أو زواجه أي اثر قانوني، وتتخذ جميع الإجراءات الضرورية، بما فيها التشريع، لتحديد سن أدنى للزواج ولجعل تسجيل الزواج في سجل رسمي أمرا إلزاميا”.
بداية، لا ننكر أن هناك تحفظات من كثير من الدول على بنود بعينها في الاتفاقية، لأسباب متنوعة لا علاقة لها كلها بالنظرة إلى حقوق المرأة. وقد تحفظ الأردن على مواد ثلاث، هي: 9 و15 و16، ثم رفع اعتراضه على المادة 15. وأخيرا، صرح رئيس الوزراء أن تحفظ الأردن على بند من البنود لا يمنعه من تطبيق الاتفاقية؛ أي أأن معارضة بند أو مبدأ في الاتفاقية لا يعني أن الاتفاقية كلها شر، وأن الواجب هو محاربتها ومحاربة القيم التي تمثلها.
ولدى التدقيق في البنود/ المواد المذكورة أعلاه (وتلك التي لم تذكر)، نكتشف أن الاتفاقية لم تقل إن مرجعيتها فوق مرجعية الإسلام، ولم تأت على ذكر الشريعة، بل كل ما هنالك أنها استندت إلى المشترك الإنساني الذي أضحى ينبذ التمييز مهما كانت الحجج. ونلاحظ أن جوهر الاتفاقية يدعو إلى المساواة، أما المعارضون فيرونها تخالف الإسلام، فهل الإسلام يدعو للتمييز؟! إننا نربأ بالإسلام أن يكون كذلك، لكن للمعارضين تصوراً معيناً جامداً لأحكام الشريعة، يُغفل جوهرها وهو العدل والمساواة، وفي سبيل الحفاظ على الموروث يفترضون أن للمسلمين منظومة حقوق تختلف عن باقي البشر، ولا مانع لديهم من تجاهل روح العصر في سبيل الحفاظ على هذا التصور.
وفي الحقيقة، كان بالإمكان قبول وجهة النظر التي تتجاهل روح العصر فيما لو ناقش معارضو الاتفاقية وجهة نظرهم بأسلوب موضوعي، لكن النقاش الذي عرضنا أعلاه استند إلى تحريف معاني المواد. فإذا دعا النص إلى محاربة استغلال المرأة في الدعارة، فإنه يتحول -بقدرة قادر- إلى نص لا يعارض الدعارة من حيث المبدأ. وإذا دعا النص إلى تعليم المرأة تعليما مكافئا لذلك الذي يحصل الرجل عليه، وحماية المرأة من التسرب من المدرسة، وتوفير معلومات تضمن صحة الأسر وتخطيط الأسرة… أصبح الأمر دعوة لنشر الفساد والتحلل! وإذا دعت مادة لتوفير الرعاية الصحية للمرأة، رآها المعارضون تدعو “للانحلال وشرعنة العلاقات الجنسية المحرمة”! أما إذا دعت مادة للمساواة بين المرأة والرجل في حركة الأشخاص وحرية اختيار محل سكناهم وإقامتهم، ادعوا أنها تدعو للتمرد والفساد والانحلال! ألا يحق للمرأة اختيار مكان سكنها؟ بالطبع يحق لها ذلك بدون أن يعني أنها بقرارها هذا تخرج عن طوع زوجها أو أبيها! وبالتأكيد بدون أن يعني ذلك أنها تُسكن أحدا معها وتدخل عالم الفساد والتحلل الأخلاقي.
يمكننا أن نسهب في هذا المجال، لكن بإمكان القارئ أن يعود إلى النصوص ليكتشف بذاته الكم الهائل من المغالطات والاستنتاجات غير المبررة التي قدمت كحقائق لا تقبل الشك، وعبرت عنها الجملة التالية الواردة في المقال المذكور: “الخلاصة: الاتفاقية تريد أن يعيش الناس بطريقة منحلّة عن الدين والأخلاق… هذه هي حقيقة سيداو والتي يضغط السيداويون والسيداويات في الأردن على فرضها مستعينين بقوى من الخارج”. نعم، هذه الجملة التي تقدم كحقيقة تعبر عن جوهر أسلوب تحريضي في النقاش لا يهمه الاستناد إلى الحقائق، بل لا يمانع بالتزوير الصريح.
ويعاني المعارضون كذلك من غلبة الصور النمطية على التحليل، وهذا أساس سياسات الهوية والتمييز العنصري وغيره. ففي المقال المذكور، تم وصف الشباب في الغرب بأسلوب تعميمي نمطي عنصري على أنهم في الغالب أنجاس! كما تم التعرض للناشطات في المجال الاجتماعي بتصويرهن بصورة مسيئة غير موضوعية، تُظهر أن لدى المعارضين أجندة خاصة ضد المرأة.
وأخيرا نتساءل: لقد وقع الأردن اتفاقيات دولية كثيرة رتبت عليه التزامات متنوعة، اقتصادية وغير ذلك، فلماذا لم نشهد من هؤلاء هجوما إلا على “سيداو”؟ وهكذا نفهم الاعتراضات؛ إنها اعتراضات جوهرها رفض المرأة ككيان مساو للرجل، تتخذ من فهم خاص للدين سلاحا للهجوم به على الاتفاقية، وتفتئت عليها مفترضة أن هذا السلاح يضع أصحابه على أرضية أخلاقية أعلى. لكن المعترضين بلجوئهم إلى الافتئات وتحميل النص ما لا يحتمل، يضعون أنفسهم على أرضية أخرى تماما.
أما لماذا يلجأ بعض الناس إلى مثل هذا الأسلوب، فسؤال يكمن جوابه في حقيقة الخوف الذي يشعرون به عندما يرون أن هناك تحديا جديا لسلطتهم لم يعودوا قادرين على مواجهته لا بالعلم ولا بالإقناع ولا بالمنطق، ولا بأي طريقة محاججة مقبولة… آنذاك يصبح التحريض والضرب تحت الحزام أمراً مشروعاً!

* كاتب أردني

‫3 تعليقات

  1. وليس الذكر كالانثى
    منطلقات اتفاقية سيداو هي منطلقات ثقافية قد تناسب امة ولا تناسب اخرى وهي باختصار لا تستند الى العلم والحقائق العلمية بأي حال. ساشرح ذلك. التمييز نوعان: ايجابي وسلبي. مثال على التمييز الايجابي مهر المرأة عند الزواج. هل هذا الامر يتناقض مع اتفاقيو "سيداو"؟!. الاسلام يحارب الظلم بالتأكيد ولكنه ينص على انه " ولبس الذكر كالانثى" وهذا تمييز وليس مفاضلة. اي ان الرجل "مختلف" عن المرأة لكنه ليس "أفضل" منها. وهذا الاختلاف يعزى لاسباب طبيعية متأصلة وليس لاعتبارات ثقافية أو اجتماعية. نظام القيم الاسلامي اعطى الرجل حق قيادة الاسرة مع اعتمأد المشورة. فهل يجب ان تكون الاسرة مكونة من "ديكين" لكي نرضي "سيدأو" ام نلغي مبدأ "وحدة القيادة" في علم الادارة اكراما ل"سيداو". الدول الغربية تبنت مبادئ سيداو لكنها ايضا تعاني من ضعف الروابط الاسرية بتركيزها على الفرد وهي بذلك اضرت بمصلحة المرأة الطفلة والمرأة الزوجة والمرأة الام قبل ان تضر بمصلحة الرجل. لا نحتاج الى اتفاقيات دولية لنطبق الامر النبوي "ما اكرمهن الا كريم وما اهانهن الا لئيم" و"استوصوا بالنساء".

  2. تفنيد ممتاز لمزاعم كارهي المرأة
    مقال ممتاز ويفند بالتفاصيل الحجج الواهية التي يتشدق بها أولئك الذين يكرهون المرأة في مجتمعنا. أما بالنسبة لما تفضل به المعلق "عصام" عما يسمى التمييز السلبي والإيجابي أقول:.. لا نريد التمييز بأي شكل ونعي أن معنى هذا الرفض أن تنمو قدرات المرأة لتعيل نفسها وتعتمد على ذاتها فلا تحتاج قوامة ولا مهراً ولا ولياً. نعم، نريد أن نكون بشراً متساوين في الحقوق والواجبات وهذا ليس بمطلب عظيم ولا يشق إلا على هؤلاء الذين يريدون أن يتشبثوا بزمام السلطة الاجتماعية داخل العائلة والمجتمع بكل ما أوتوا من قوة (أي الرجال المتسلطين). أما أن تتحجج بأن الإسلام "أعطى الرجل حق قيادة الأسرة مع اعتماد المشورة" وتعتمد ذلك كمعيار لإيقاف المساواة فهذا هراء تام لأن الكثير من الأسر تحكمها النساء وترعاها النساء وتسير أمورها الاقتصادية النساء. يعني بالعربي، ما بدنا جميلتكم. وفي النهاية، نعم وألف نعم نحتاج قوانيناً محلية واتفاقيات دولية لتطبيق المساواة حتى مع وجود أوامر نبوية أو ربانية، وأذكرك هنا أن العبودية في الإسلام حلال ولكنها توقفت بسبب الاتفاقيات الدولية ومراعاة لحقوق الإنسان.. وما الأوامر النبوية بنفس فعالية القوانين.

  3. من بركات سيداو
    رأي الاخت ابتهال يؤكد التخوف الرئيسي من اقرار "اتفاقية سيدوا" من حيث الاتكاء عليها في تبني الاراء النسوية المتطرفة في المجتمعات العربية والاسلامية. فحسب هذا الرأي لا حاجة ل"قوامة ولا لمهراً ولا وليا". لا أعلم بالضبط ما هو قانون الاحوال الشخصية المناسب هنا. ربما لا قانون! وهذا واضح في رأيها "حتى مع وجود أوامر نبوية أو ربانية". نعم في الغرب هنالك نسبة متزايدة من الأسر التي تعولها امرأة، ولكن هذا اختي شاهد اضافي على معاناة المرأة الغربية وتشتت الاسرة في "مجتمعات سيداو"، وهو بالتأكيد ليس دليلا على ان الوضع الطبيعي أو المثالي هو ان تعول المرأة نفسها واطفالها. فما هو دور الرجل عندئذ: التسكع في الشوارع والأزقة؟ ما وضع الاسرة -لبنة المجتمع- عندئذ؟ باختصار: المرأة غير الرجل حتى ولو أرادت بشدة ان تساويه. وهي الخاسرة ان أصرت على ذلك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock