يقترب الأردن من المئوية الأولى لتأسيس الدولة، وهي مئوية شهدت تطوراتٍ وفرصاً وتحدياتٍ يمكن القول إنها فريدة إلى درجة أنه يصعب التصديق بأنَّ هناك دولة أخرى تعرّضت لها، على مستوى المنطقة على الأقل.
ولعلَّ من الإنصاف القول إنَّ ما حقَّقه الأردن، خلال تلك الفترة يقترن بكل معاني الإصرار على قبول التحديات، وعلى التعامل معها بحكمة، وعلى الصمود في وجه العديد من الصعوبات الاقتصادية، والاجتماعية والسياسية على حدٍّ سواء.
وقد واجه الأردن العديد من التحديات، وبشكل أساس في الجانب الاقتصادي، جراء الصدمات التي صدّرتها إليه المنطقة من الغرب والشرق ومن الشمال على حدٍّ سواء. وقد اجتهدت الحكومات المتتالية على مدى تاريخها، فأصابت وأخطأت، ويمكن القول إنَّ النواتج المختلفة لما نشهده اليوم من صعوبات وتحديات اقتصادية هي حصيلة عملية إدارية بحتة للشأن الاقتصادي.
الأردن قادرٌ على تحقيق الكثير من الإنجازات التي تدعمها رؤية القيادة، وتحرص على تحققها. بيد أنَّ فقر الإدارة السليمة للموارد، في فترات متعددة، طغى على توافر تلك الموارد. الشاهد من هذا كله أننا نخطو اليوم نحو مئوية جديدة، ونحو عقد جديد من الزمان، يتطلب الرُّشدَ، والنجاعةَ والرصانة في التعامل مع متطلبات الفترة. وفي تقديري أنَّ ذلك لا يمكن له أن يتمَّ بعيداً عن تخطيط علمي موضوعي واقعي، يقوم على رسم سيناريوهات واضحة للبلاد خلال العقد التالي.
سيناريوهات سياسية، واقتصادية واجتماعية. نعم، كانت هناك تجربة سابقة حول سيناريوهات الأردن 2020، وكانت هناك تجارب في المجال الاقتصادي، وهو ما يهمني هنا، من الأجندة الوطنية، ورؤية الأردن 2025، وبرنامج التحفيز الاقتصادي، وأخيراً وليس آخراً مشروع النهضة. ولا يمكن لوم العديدين لشعورهم بأننا نُخطط ونرسم، ثمَّ نضع على الرفوف ولا نُنَفِّذُ شيئاً. ولكن ذلك يجب أن لا يثنينا عن العمل والتخطيط، ووضع الرؤية للطريق، والإرادة السياسية العليا متوافرة وداعمة لذلك التوجه.
ومن هنا، ليس لنا مبرر من عدم تكرار التجربة في رسم السناريوهات، لأسباب عدة، أورد منها في الشأن الاقتصادي ثلاثة:
أولاً: ضرورة وضع سيناريو يوضِّح ما ستؤول إليه الأمور في العام 2030، إن تمَّ الإصرار والاستمرار بالسياسات القائمة اليوم بإعطاء وزن أهم لقضايا المالية العامة على حساب النمو، بما في ذلك من سياسات همّها رقم العجز أكثر من تحريك النمو، بالرغم من القول إنَّ النمو هو الهدف النهائي. وهو سيناريو قاتم، من وجهة نظري، ولكنه مهم، لكي يضع صانع القرار في صورة أهمية التنويع في السياسات، وضرورة التركيز على سياسات النمو، على أهمية السياسة المالية وضبط العجز المالي، والاعتماد على الذات.
ثانياً: هناك حاجة إلى رسم سياسات مستقبلية، تقود إلى ما نتمنّاه من نمو وازدهار، وبالتالي، فإنَّ تمرينا من قبيل سيناريوهات 2030، سيضع أمام القيادة، والحكومة المشهد المأمول للبلاد، في ظل المعطيات والفرضيات كافة التي ستأخذها السيناريوهات في الاعتبار لتحقيق وضع أفضل مما سنؤول إليه في سيناريو بقاء الوضع على ما هو عليه اليوم.
ثالثاً: أنَّ الأردن سيكون بين الأعوام 2030-2050 على قمة هرم الفرصة السكانية؛ أي على قمة هرم توافر الموارد البشرية المُنتجة والمؤهلة للعمل. والحاجة ماسّة هنا إلى التخطيط للكيفية التي سنُؤهِّلُ بها هذه الموارد خلال الفترة المقبلة. هناك دول عديدة في العالم، وخاصة في الشرق الأقصى، نجحت في التحوُّل إلى نمور اقتصادية، فقط لأنها استغلت الفرصة السكانية بشكلٍ أدّى إلى تطوير قدرات الشباب نحو ما يتطلبه الاقتصاد، وكان مفتاح ذلك بالضرورة تطوير التعليم بمراحله ومستوياته كافة. إن لم نفزع اليوم إلى سيناريوهات العقد المقبل حول هذا الموضوع بالذات، فالخشية أن تتحوَّل الفرصة السكانية إلى تحدٍّ سكاني، ومعضلة سكانية.
وختاماً، فإنَّ التوجُّه إلى رسم سيناريوهات الأردن 2030 ليس نزهةً، أو ترفاً يمكن الاستغناء عنه، بل هو فريضة يجب البدء بها اليوم قبل الغد. ولعلَّ المجلس الاقتصادي والاجتماعي من أكثر الجهات تأهيلاً للقيام بذلك عبر الشراكة مع الخبراء والمختصين، وعبر إشراك أكبر قدر ممكن من الشرائح من القطاعين الخاص والعام، ومؤسسات المجتمع المدني والخبراء المحليين والخارجيين.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock