أفكار ومواقف

سيناريوهات ما بعد الأزمة

صحيح أن الأولوية القصوى لدول العالم اليوم، ونحن هنا جزء منه، هو القضاء على فيروس كورونا ومنع انتشاره والتقليل من كلفته على أرواح الناس، فالعالم وحسب الأمين العام للأمم المتحدة يمر بأقسى أزمة منذ الحرب العالمية الثانية، وربما يتم عزل الفيروس ومنع انتشاره بحلول الصيف ولكن القلق من عودته بشراسة في الخريف المقبل واردة لا سيما وأن النجاح في توفير لقاح ما زال قيد البحث ويحتاج مزيدا من الوقت.
حتى في حال التمكن من القضاء على الفيروس فإن عودة الحياة تدريجيا لطبيعتها تحتاج مرور فترة زمنية مناسبة أقلها أربعة عشر يوما وربما أكثر، بدءا من الحالة “صفر”، وهذا يعني استمرار إغلاق الحدود في وجه المسافرين وإغلاق المطارات وتوقف حركة الطيران وتوقف التبادل التجاري باستثناء المتعلق بتزويد الأردن باحتياجاته الضرورية وضمن أضيق الظروف وهذا يعني مزيدا من الخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة على الدولة وعلى القطاع الخاص.
يرى البعض وهو محق في ذلك أن كل شيء يجب أن يؤجل حتى نعبر هذا التحدي الذي لا يوجد جزم بموعد رحيله سواء بتوفر لقاح يتسابق العالم المتقدم لإيجاده أو بمكافحته وعزل بؤر انتشاره، لكن هذا يجب ألا يعني أن نسترخي كثيرا ولا بد من العمل بجدية على تهيئة أنفسنا دولة وشعبا لأيام وشهور صعبة، الإيرادات العامة بمختلف أصنافها شبه متوقفة، والإدارة العامة ستمضي شهرا مبدئيا بعيدة عن العمل وربما تطول المدة، والتعليم الأساسي والعالي بمختلف مؤسساته مغلق وربما يعتبر العام الدراسي وجدوى استمراره موضع نقاش جدي، وأزمة القطاع الخاص المالية وقدرته على دفع رواتب العاملين في ظل توقف عجلة الإنتاج تزداد وتراكم البطالة وارتفاع معدلاتها وتراجع معدلات النمو إلى أدنى مستوياتها كلها تحديات في وجه الحكومة لا بل الدولة بكل أجهزتها وهي تعمل بكل طاقتها لتجاوز هذه المخاطر ولعل أمر الدفاع رقم ٤ والمتعلق بإنشاء صناديق لدعم القطاع الطبي والمتعطلين عن العمل ومتلقي المساعدات إجراء سليم يستدعي من كل الأردنيين أن يساهموا فيه وخاصة رؤوس الأموال، فالوقوف مع الأردن في هذه المرحلة هو أرفع مراتب الانتماء.
السؤال اليوم ضروري، ليس فقط للحكومة التي تدير الأزمة باقتدار وحكمة وبأقصى قدرات، وهي نجحت في استيعاب الجزء الأصعب وهو المواءمة بين الإجراءات الطبية لمحاصرة الفيروس ومعالجة المصابين وإدامة الحياة بأفضل صورة يمكن أن تقدم في ظروف استثنائية وهو ما نجحت فيه الدولة بكل مؤسساتها وفي طليعتها الجيش والأجهزة الأمنية للآن، بل أيضا للقطاع الخاص الذي يفترض أن يعمل على العودة للعمل بشكل تدريجي خاصة قطاع الخدمات الذي يستطيع ممارسة عمله بشكل شبه كامل من خلال التكنولوجيا والعمل المنزلي للتقليل من حجم خسارته.
كل هذه التحديات الكبرى التي لم نُختبر بمثيلها سابقا، تستدعي وجود خلية أزمة اقتصادية تضم الحكومة والقطاع الخاص لوضع سيناريوهات خارج الصندوق مبنية على أن أزمة كورونا أعادت ترسيم العلاقات الدولية وأن كل المنظومة الأخلاقية التي حكمت العالم بعد الحرب العالمية الثانية وسيادة مفهوم العولمة أضحت اليوم خارج السياقات وعلينا أن نتهيأ لفكرة انتهاء زمن المساعدات الدولية أو تراجعها حتى من الحلفاء التقليديين، وبعد انهيار سعر النفط ربما يكون خيار مساعدتنا من الأشقاء العرب غير واضح وغير مؤكد، فالكل تحت ضغط كورونا يطرح سؤال مستقبل اقتصاده ويفكر بصوت عال.
يعجز العقل أحيانا عن التفكير بالمستقبل، بل ربما لا يرغب حتى لا يصاب بالإحباط، لكن علينا أن نهيئ أنفسنا جميعا لدفع كلفة هذا الوباء الذي لم يكتف بحصد الأرواح بل ضرب الاقتصاد العالمي وسيدخله مرحلة معقدة ربما تتجاوز أزمة العام 2008 بل أزمة الكساد الكبير الشهيرة العام 1929.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock