آخر الأخبار حياتناحياتناسينمافنون

سينما حقوق الإنسان..هل تنجح بنشر التوعية؟

إسراء الردايدة

عمّان- “السينما هي كيفية أن تعيش أكثر من حياة .. حياة جديدة مع كل فيلم تشاهده”، يقول المخرج والكاتب روبرت ألتمان.

 فالأفلام تملك قوة مذهلة في تحريك عواطف البشر ومشاعرهم، وهي ليست مجرد وسيلة للترفيه بل للتواصل وإثارة الفكر.

 بل هي حاجتنا لتجارب ذات مغزى، وقصص تثري الحياة وتزود بالمعرفة والحكمة وتجيب عن الأسئلة، وهذا ما تفعله الأفلام.

فالأفلام تدفعنا للتساؤل والبحث والتفكير بعمق، وتجعلنا أكثر قدرة على فهم الآخرين وأنفسنا وعواطفنا وأفكارنا ولحظاتنا الملحمية ونضالاتنا ومحاولاتنا وتساؤلاتنا وأوقات تخبطنا وضياعنا وبحثنا عن المعنى والمغزى من الأشياء والأحداث.

 فهي تصور لنا من خلال الأفلام بدقة مراحل نمونا المختلفة، وتنقل تجاربنا والتحديات التي نمر بها وكيف نتعامل مع المواقف الحياتية بين نجاح وفشل وكل مجريات الحياة، وفيها نجد كل ما نبحث عنه بين عشق وصراع، أمل، ألم، تربية، عائلة، عدو وحرب وسلام، قسوة وحنان وغيرها.

وهي أيضا كنز يفيض بالدورس والنماذج التي يمكن التعلم منها بين الأخلاق والعلاقات التي تعزز التواصل الإنساني والتي تسهم في النهاية في فهم كل من حولنا، فهل هذا يجعلها قادرة على نشر الوعي بحقوقنا؟

 خاصة إن كان فيها أقسام متخصصة على غرار أفلام الحرب، وأفلام حقوقية التي أصبحت جزءا مهما في 30 عاما الماضية وتندرج تحت “سينما حقوق الإنسان”.

فالسحر الذي يملكه فيلم مدته ساعتان على المشاهد، يمكنه أن يحمل كما كبيرا من التأثير عبر عدسة الكاميرا التي تقود العقل لرؤية الجوانب الخفية والبحث والتعمق في الأفكار البسيطة واكتشاف ما وراءها.

ميثاق سينما حقوق الإنسان

منذ أوائل التسعينيات، ظهرت مجموعة كبيرة من المهرجانات السينمائية لحقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، واخترعت مفهوم سينما حقوق الإنسان بشكل فعال.

هذه الفئة المقبولة الآن على نطاق واسع من الفيلم يجمع بين المخاوف الجمالية لصانع الفيلم مع تلك الناشطة في مجال حقوق الإنسان.

وفي عام 1994، أنشئت شبكة أفلام حقوق الإنسان في براغ، التي تديرها منظمة العفو الدولية، واحدا وأربعين مهرجاناً سينمائياً في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك فعاليات في مدن مثل ملبورن وسيول وباريس وبريتوريا وبوينس آيرس (شبكة أفلام حقوق الإنسان).

بالإضافة إلى ذلك، تنظم هيومن رايتس ووتش نحو 13 مهرجاناً سينمائياً في المدن الكبرى في جميع أنحاء العالم.

وعلى الرغم من أن العديد من المهرجانات السينمائية في شبكة أفلام حقوق الإنسان تقام في البلدان النامية، فإن من الأرجح أن يُعدّ أفلام حقوق الإنسان من قبل أولئك الموجودين في البلدان الغنية، وأن يشاهدوها ويمولوها.

إذ تكشف قوائم مهرجانات أفلام حقوق الإنسان عن ان غالبية الأفلام التي تتناول الحريات المدنية والسياسية، وأقل من ذلك الأفلام التي تتناول الفقر والحرمان.

وبهذا المعنى، فإن ظاهرة سينما حقوق الإنسان هي صورة مصغرة للنظام الدولي لحقوق الإنسان، الذي يعمل بشكل غير رسمي على تسلسل هرمي مماثل للحقوق.

 وبحسب دراسة لباري كولينز تناولت سينما حقوق الإنسان ونشرت في عام 2017 في جامعة شرق لندن، فإن  شبكة أفلام حقوق الإنسان لديها ميثاق، اعتمد في عام 2004، الذي يسعى إلى التعبير عن مفهوم فيلم حقوق الإنسان.

ويصوغ الميثاق استراتيجية مشتركة لصانعي الأفلام نحو تحقيق نهاية مشتركة، إذ غالباً ما سعت البيانات الفنية في أوائل القرن العشرين، مثل بيان دادا لعام 1915 أو البيان السريالي لعام 1924، إلى صدمة قرائهم، أو أن تصبح أعمالاً فنية في حد ذاتها.

وعلى النقيض من ذلك، فإن ميثاق شبكة أفلام حقوق الإنسان يُطرّر رؤيته بلغة مقيدة وقانونية. والواقع أنها تشبه اتفاقية حقوق الإنسان، مع مواد مرقّمة تحدد مبادئها المنظمة.

و يبدأ الميثاق بإلزام أعضائه في المادة 1-2 بالترويج لفيلم حقوق الإنسان .

 وتحاول المادة 2-3 تعريف أفلام حقوق الإنسان بأنها “أفلام تعكس الحالة الفعلية لانتهاكات حقوق الإنسان في الماضي والحاضر، وتُطلعه على الحالة الراهنة، أو الرؤى والتطلعات المتعلقة بسبل معالجة تلك الانتهاكات”.

فيما تلزم المادة 2-2 الشبكة بتعزيز مفهوم واسع لحقوق الإنسان، على أساس المعايير الدولية المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وغيره من القوانين الدولية.

بينما المادة 2-3 تنص على أن أفلام حقوق الإنسان حلت محل المفاهيم الشائعة لـ “اليسار أو اليمين”.

وقد استندت هذه المبادئ، ضمنا أو صراحة، إلى مبادئ حقوق الإنسان حتى قبل صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عام 1948.

“سينما على الجدران” في الدورة 11 لـ”كرامة لأفلام حقوق الإنسان”

كما تسمح المادة 2-3 بتعدد أنواع الأفلام في سينما حقوق الإنسان، قائلة إن أفلام حقوق الإنسان يمكن أن تكون “وثائقية أو روائية أو تجريبية أو رسوم متحركة”.

 وتضيف: “قد تكون أفلام حقوق الإنسان واقعية بقسوة، أو طوباوية للغاية،  قد تقدم صوراً بشعة، أو تظهر نعمة الحياة السلمية. ويجوز لهم الإبلاغ عن رسالة عاطفية أو شجبها أو نقلها”.

ونفس المادة أيضا ترى أن” أفلام حقوق الإنسان ومهما كان شكلها أو محتوياتها أو طابعها، ينبغي أن تكون “صادقة”.

أي أنه ينبغي لها أن تطلع المشاهدين على قضايا حقوق الإنسان وتطلعاتها، وألا تتعمد تحريف الحقائق أو آراء أو كلمات الذين يصورون.

كما يجب ألا يكونوا منحازين إلى حد التذرع بالكراهية والتمييز ضد الجماعات والأفراد، أو خدمتهم سياسياً أو سياسياً.”

وهذا يشير إلى أن المادة 2-3، مع الاعتراف بأن سينما حقوق الإنسان، يمكن أن تحتضن مجموعة متنوعة من أنواع الأفلام، تصر على الالتزام بالنقل الصادق لواقع انتهاك حقوق الإنسان.

وهناك افتراض مثير للاهتمام هنا أن انتهاك الفئات القانونية يمكن أن يكون مرئيًا من خلال تصويرها “الصادق”.

وحقوق الإنسان هي، في كل الأحوال، صكوك قانونية، بصرف النظر عن أي محتوى معياري قد يكون لها، فهل لعبت مهرجانات حقوق الأنسان دورا هاما في التعريف بهذه الحقوق؟.

فعليا الأفلام التي “تستند ضمناً أو صراحة إلى مبادئ حقوق الإنسان” يمكن أن تعود إلى ما قبل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948.

فهنالك  أفلام وثائقية مبكرة مثل “معركة السوم”، و”الأرض الاسبانية”   عام 1937 وأفلام روائية مثل “الموكب الكبير ” عام 1925 و”الديكتاتور الكبير” في عام 1940، وكلها اهتمت بهذاالشأن.

إذ يمكن لفيلم حقوق الإنسان، سواء كصورة وثائقية أو كفيلم روائي طويل، أن يستكشف المنطقة الحدودية للصراع بين العقل والعاطفة، وفي هذا المجال بالتحديد تكمن حيوية النشاط في مجال حقوق الإنسان” .

كيف أثرت”كورونا” على السينما وعززت فرص منصات الـ”أونلاين”؟

 مهرجانات أفلام حقوق الإنسان

تأسيس مهرجان هيومن رايتس ووتش الدولي للأفلام في عام 1988 أثبت بقوة أنه وسيلة مبدئية للدعوة لحقوق الإنسان وكوسيلة لنشر قيم ومثل خطاب حقوق الإنسان على نطاق واسع.

ومنذ ذلك الحين، تحول الناشطون والمربون بوتيرة متزايدة إلى الأفلام الوثائقية والروائية كوسيلة لتمثيل وتعزيز الطابع الملح لقضايا حقوق الإنسان.

واليوم، هناك موارد لا تحصى لتوزيع ودراسة سينما حقوق الإنسان؛ إذ  شهد العقدان الماضيان توسعاً عالمياً في شبكة مهرجانات سينمائية مزدهرة متخصصة في حقوق الإنسان، من مهرجانات المجتمع والكليات إلى الأحداث الدولية الكبرى، وظهور العديد من الأدلة وقواعد البيانات على الإنترنت لأفلام حقوق الإنسان، التي ترافق الكثير منها خطط دروس، وأدلة مناقشة، وروابط بالموارد ذات الصلة.

وفي الوقت نفسه ، فإن الشعبية المتزايدة للفيلم كوسيلة لإشراك قضايا حقوق الإنسان تشير إلى هيمنة الثقافة البصرية في التواصل المعاصر، وإلى إمكانية الوسيلة السينمائية لتعزيز المعرفة بحقوق الإنسان والاستثمار فيها في جميع أنحاء العالم.

 وهذا الاستثمار المتزايد في الثقافة البصرية وما يصاحب ذلك من انتشار الأفلام الموجهة نحو حقوق الإنسان قد أثر، على نحو لا يثير الدهشة، على المناهج الدراسية لحقوق الإنسان.

إن مثل هذا التركيز على الدقة والصدق مرتبط بالإيمان بالإمكانات التحويلية للسينما: في فضح انتهاكات حقوق الإنسان، فإن الفيلم لديه القدرة على التحريض على العمل من أجل التغيير.

وقد برز الفيلم، إذن، كدعامة أساسية للتثقيف في مجال حقوق الإنسان نظراً لقدراته التمثيلية الفريدة. في الواقع ، كما أظهرت شارون سليفنسكي، عالمة متعددة التخصصات تعمل على ترسيخ مجالات الثقافة البصرية ، النظرية السياسية في كتابها “حقوق الإنسان في الكاميرا” (2011) .

 ولذا فإن قدرة فيلم عن حقوق الإنسان على تعزيز هذا النوع من المعرفة الملموسة تستند إلى الافتراض الراسخ بأنه يستند إلى الصدق.

والواقع أن التعريفات السائدة لأفلام حقوق الإنسان التي طرحها الناشطون ومبرمجو المهرجانات والعلماء تؤكد جميعاً قدرة الفيلم على تعميق فهم جمهوره لقضايا حقوق الإنسان، وهو ما يرتبط أساساً بالواقعة القائلة بأن الفيلم، سواء كان وثائقياً أو روائياً، واقعي ودقيق تاريخياً.

وفي هذا السياق، تصف هيومن رايتس ووتش برامجها للمهرجانات بأنها أفلام “تشهد على انتهاكات حقوق الإنسان” و”تُعرّف على انتهاكات الحياة لحقوق الإنسان من خلال سرد القصص”.

وربما تقدم شبكة أفلام حقوق الإنسان أوضح تعبير عن هذه السمات الأساسية، حيث تعرّف سينما حقوق الإنسان بأنها “أفلام تعكس وتُعلم وتوفر فهماً للفعل الفعلي لانتهاكات حقوق الإنسان في الماضي والحاضر، أو الرؤى والتطلعات المتعلقة بطرق معالجة تلك الانتهاكات“.

إن مثل هذا التركيز على الدقة والصدق مرتبط بالإيمان بالإمكانات التحويلية للسينما: في فضح انتهاكات حقوق الإنسان، فإن الفيلم لديه القدرة على التحريض على العمل من أجل التغيير. و

هكذا فإن سينما حقوق الإنسان مشبعة بقدرة إثباتية تعرضها كنمط غير مباشر من المشاهدة. والواقع أن فكرة الشهادة هي أحد المنطقين المؤسسين للنشاط في مجال حقوق الإنسان، وهو ما يفسر تفضيل الأفلام الوثائقية.

 وفي حين أن الأفلام الروائية لا تُمنح تماماً نفس القوة التي تتمتع بها الأفلام الوثائقية فإنها لا تزال تخضع لمعيار مماثل من الصدق، ويتم تقييم وضعها كأفلام ناجحة في مجال حقوق الإنسان وفقاً لقدرتها على رفع الوعي المستنير بقضية قائمة بالفعل.

“الفنون تزيد من إنسانيتنا”: مبادرات سينمائية وموسيقية محلية تدعم البقاء في المنزل

وقد أدى هذا الارتباط المستمر لأفلام حقوق الإنسان بدقة ووعي إلى تركيز التثقيف في مجال حقوق الإنسان على المحتوى السينمائي وفقا لشوهيني شودري باحثة في السينما العالمية ، مع اهتمامات خاصة في الأفلام وحقوق الإنسان،  في كتابها ” السينما العالمية المعاصرة: أوروبا، والشرق الأوسط ، وشرق آسيا، وجنوب آسيا “حيث  تهيمن على حلقات النقاش التي تجري بعد العرض في مهرجانات أفلام حقوق الإنسان، على سبيل المثال، القضايا التي يثيرها الفيلم، بدلاً من شواغله الجمالية”.

مي المصري.. للسينما دور توعوي

المخرجة الفلسطينية مي المصري التي قدمت عددا من الأفلام الوثائيقية  تمحوت حول الإنسان وركزت فيها على المقموعين والمهمشين المجتمع من خلال تناول قضايا وتجارب حقيقي لنساء وأطفال عاشوا ظروفا صعبة في ظل الاحتلال الصهيوني وحتى الأنظمة القمعية.

وتتصف أفلام المصري الوثائقية التي قدمتها كما في ثلاثية “أحلام المنفى، “أطفال شاتيلا” و”أطفال جبل النار”، بالواقعية وتناول القضية الفلسطينية، وحتى تجربة الاسيرات الفلسطينيات بسجون الاحتلال ومعاناة أطفال المخيمات وصمود الأهالي خلال الانتفاضة الاولى والثانية والحرب اللبنانية وتأثيرها على المجتمع.

المصري: السينما أداة قوية مؤثرة في الوعي والوجدان

 تقول المصري:” استمد أسلوبي السينمائي من تفاعلي مع الموضوع ومن خلال بحث ومعايشة عميقة للواقع إذ اختار شخصيات أفلامي بناء على الصدق والعمق والجرأة بالتعبير وابني علاقة ثقة متبادلة معهم”.

 معتبرة أن  اكثر التجارب الملهمة بالنسبة  لها تمثل في عملها مع  أطفال المخيمات وأسلوب تعبيرهم عن واقعهم القاسي بالكثير من الإبداع والخيال والعفوية.

 وترى المصري أن ” المعاناة” تولد إبداعا ومقاومة، ومن هنا دورها كسينمائية وصانعة أفلام أن  توثق  هذه التجارب الانسانية وتوصلها للمشاهد على امل ان تشكل مصدر الهام ووعي وحافز للمبادرة والتغيير.

ولا تؤمن المصري بمقولة “السينما فن تجريدي” بل هي فن ورسالة ووسيلة إبداع وفن وخيال ذات قوة كبيرة في تحريك العاطفة والعقل والوجدان، ومن خلال حضورها في محافل عالمية لجمهور واسع، فهي قادرة على خلق وعي وفهم وتعاطف مع القضية الفلسطينية، قائلة “قوة القصص الإنسانية التي تبث كل هذا”.

 وبحسبها فإن السينما لها “دور توعوي ”  فيما يخص القضايا الإنسانية والحقوقية، فهي واحدة من أكثر الوسائل الفنية تأثيرا على المشاهد وتشكيل الوعي بالمجتمع.

 وأضافت :”  لقد لمست هذا التأثير من خلال عروض أفلامي في مختلف الدول والنقاشات والرسائل التي وصلتني من الجمهور ومن خلال بعض المبادرات الإيجابية المميزة التي صدرت على اثر  هذه العروض”.

الفيلم الجيد أكثر تأثيرا

“الأفلام الجيدة أكثر قدرة على التوعية بالأفكار المهمة والقضايا الحقوقية” ، يقول الناقد  السينمائي المصري أحمد شوقي.

فالأفلام الموجهة للدفاع عن الحقوق لا تكون قادرة على التأثير بشكل كبير، و إن وجدت مهرجانات متخصصة،   سيعمل كل واحد منها بقدر امكاناته ليكون مؤثرا منوها أن  النتائج قد لا تكون ملحوظة دائما.

  بينما يكون الفيلم المصاغ والمنفذ بشكل جيد ومتماسك أكثر قدرة على تحريك مشاعر المشاهدين لأنه يدفعهم للتفكير والتواصل معه، ومن هنا يصبح الفن وسيلة فعالة للتأثير في القضايا الحقوقية بحسب شوقي، رائيا أن استمتاع الناس بالفيلم وتفاعلهم معه “يورطهم” فكريا وعاطفيا وهذا ربما يغير قليلا من منظومة قناعاتهم  وأفكارهم تجاه قضية ما.

الفن ..يكسر القيود ويحرر الحقوق

” يلعب الفن دورا كبيرا في كسر القيود وتحرير الحقوق من خلال منحها صوتا وشكلا، لتعبر عن نضالات الشعوب” تقول مديرة منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية “أرض” سمر محارب.

قصص تروى وفن تصنعه سينمائيات أردنيات

 محارب الناشطة الحقوقية في قضايا مختلفة عاصرت كرامة منذذ تأسيسه، وترى أنه “أول بوابة أردنية ربطت العمل الحقوقي بالعمل الفني”، من خلال عروض سينمائية وحلقات نقاشية أسهمت على حد قولها” بـنقل عملنا من المرحلة الصماء على الورق للمرحلة التفاعلية مع الجمهور.”

 مبينة أن “كرامة ” أعطى مساحة لتفرد فئات بعينها من شباب ونساء وأطفال ولاجئين وغيرهم ممن حرموا من ظهور قضيتهم بأعمال تناقشها بما يرقى بها وبمعاناة أصحابها بعلم وجودة مطلوبة لتصل رسالتها لجمهورها، وتسلط الضوء عليها، ودرب جيل كامل في كيفية حمل هذه الرسالة عبر الفيلم والسينما.

وبنفس الوقت كان مجالا للقاء منظمات حقوق الإنسان بهؤلاء المبدعين ليطوروا من جهود التوعية والتواصل مع مجتمعاتهم المستهدفة في برامجهم.

“كرامة” لأفلام حقوق الإنسان..شراكات عربية

منذ انطلاقته العام 2010؛ تمكن مهرجان “كرامة” لأفلام حقوق الإنسان أن يكون منصة وجسرا ثقافيا للفنانين وصناع الأفلام لتناول مجمل القضايا المتعلقة بكرامة الإنسان وحقوقه عبر قصص سينمائية تنقل للجمهور واقع المجتمعات العربية والعالمية والأوجاع الإنسانية.

 تأسس “كرامة” لأفلام حقوق الإنسان وانطلق من الأردن بعروض محدودة فكان عدد الأفلام التي عرضها في أول دروة لها نحو 32 فيلما، وفي آخر دورة له على أرض الواقع في 2019بلغ مجموع الأفلام 83 فيلما من أكثر من 100 دولة ، بجمهور بلغ 8000 منذ انطلاقته في 3 صالات عرض في العاصمة العمانية مقابل 4 صالات في الجامعات  و7 صالات في المحافظات.

وفي عام 2020، عقد فعالياته عبر منصة افتراضية كان عدد الجمهور  على منصات العرض الرقمي فيها 3000 شخص

وفكرة  تأسيس مهرجان عربي متخصص بأفلام حقوق الإنسان تمخض عن تجاهل مهرجانات السجادة الحمراء للقضايا الأساسية في المنطقة العربية  والنقص في منصات تربط بين السينما وما يدور منأحداث ومواضيع ملحة في المنطقة ومشاركتها مع حقوقيين ومتخصصين، بحسب مديرة المهرجان المخرجة سوسن  دروزة.

 وعلى مدى 11 عاما لكرامة ، توسعت رقعته من العاصمة العمّانية لتشمل عدة محافظات، وتحول من مجموعة عروض للأفلام لمانح للجوائز.

و في كل عام يطرح  ثيمة متخصصة يتم اختيارها:”  بما يناسب مع الأحداث الملحة في الوطن العربي و بطريقة استشرافية لحلول أو نقاط حوار تفتح مجال لخطاب ديموقراطي إنساني حر و مفتوح”، تقول دروزة.

كما وتحول المهرجان من مهرجان محلي لشبكة عربية، توسع فيها “كرامة” وأصبح له 5 نسح مماثلة من مهرجانات مماثلة لحقوق الإنسان في تونس وموريتانيا ولبنان وفلسطين واليمن وليبيا.

ومن هنا تم إنشاء مهرجان كرامة لأفلام حقوق الإنسان – فلسطين (في كانون الأول / ديسمبر 2013)، وموريتانيا (آذار / مارس 2014) وكرامة بيروت (تموز 2016) وكرامة ليبيا (ديسمبر/كانون الأول 2018) وكرامة اليمن (يناير/كانون الثاني 2019).

“كرامة” مساحة للنقاش والحوار

تحت  مظلة واحدة  تمكن “كرامة لأفلام حقوق الإنسان” من تقديم أنواع مختلفة من الفنون بين موسيقة ومعارض فنية وحوارات  مباشرة بين المتخصصين السينمائيين والحقوقيين ومؤسسات المجتمع المدني ، بحسب الناشط الحقوقي والصحفي المتخصص بقضايا حقوق الإنسان محمد شما.

ويرى شما ان المهرجان أتاح  فرصة للحوار والنقاش والتنوع بالآراء  ووفر منبرا للشباب للأنخراط بشكل اكبر بقضايا مجتمعية وحقوقية وعرفهم على خقوقهم بشكل أكبر .

الحرفية الفنية أولا

 “السينما فن وصناع، وحين نقول فن فيجب ان ننتصر أولا للخطاب الفني والأفلام المصنوعة بحرفية ولا ننتصر لفيلم فقط لانه يناقش قضية ما، ويجب انجاز أفلام حرفية بفنية عالية تعالج مواضيع حقوقية لانه يتيح لها دونا من غيرها الوصول لمهرجانات وجمهور أكبر”، بحسب المخرج المغربي عبد الإله الجوهري.

ويبين أن الأفلام التي تطرح خطابا مباشرا لن تتجاوز حدود بلدانها وتعتبر أفلاما” قاصرة” عن التبليغ برسائلها الفنية والفكرية والحقوقية ولهذا  بحسبه :” لا يجب ان نسقط في فجاجتها والمباشرة في الخطاب بل ان تعالج  بسلالة بعيدة عن كل خطاب موجه، فتلك الأفلام فقط التي تستطيع حشد مشاهدين وتلفت الأنظار لها “.

 فالسينما  المتخصصة بحقوق الإنسان لا تسلط الضوء على أفلام حسب بل تعد فرصة للتلاقي وفتح النقاش بين السينمائيين والحقوقيين والمجتمع المدني وهو ما يساهم في نشر التوعية بشكل أكبر وفتح باب للحوار.

كما ان السينما تسهم في تغيير الرأي العام،  وحتى تغيير القوانين  على غرار فيلم “أريد حلا”،للمخرج “سعيد مرزوق الذي أثار جدلا واسعا عام 1975، نجم عنه تغييرا في قانون الأحوال الشخصية وتقصير فترة التقاضي في قضايا الطلاق عام 1978”.

 “أنهار”..شبكة عربية لأفلام حقوق الأنسان

في عام 2015 وفي الدورة 5 لـ”كرامة لأفلام حقوق الإنسان”وبمبادرة من معمل الأفكار 612  تأسست شراكة

بين المهرجانات السينمائية والفاعلين في مجال أفلام حقوق الإنسان تشجع التبادل والتواصل والتعاون فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان لشعوب المنطقة.

 “انهار” التي تضم 8 دول هي الأردن، فلسطين، سوريا، لبنان، مصر، السودان، تونس والمغرب ، تعمل جميعا كشبكة واحدة لتعزيز مفهوم حقوق الإنسان لدى الرأي العام وصانعي السياسات بالإضافة إلى العمل على إشراك مختلف الجهات الفاعلة ذات الشأن من أجل تحسين آليات حفظ الحقوق الأساسية للانسان وتعزيز المشاركة في تعميق هذا المفهوم.

وتعتبر الشبكة أن “الفيلم الحقوقي هو الفيلم الذي يساعد على استكشاف القضية الحقوقية بعيدا عن أي أهداف دعائيا، ولا يستدعي الكراهية أو التمييز ضد الجماعات والأفراد.

كما يحترم خصوصية وكرامة الشخصيات المتناولة في الفيلم و لا يخدم أي مصالح سياسية أو تجارية كما يبتعد عن إعادة إنتاج الصور النمطية، كذلك أيا كان شكل الفيلم الحقوقي ومحتواه، وثائقيا كان او روائيا، أو تحريكيا، قصيرا أو طويلا يجب أن يكون “صادقا” لا يجري فيه أي تحريف متعمد للحقائق أو وجهات النظر أو الكلمات على لسان الشخصيات في الفيلم”.

“السينما وحدها لا تكفي”

  من خلال السينما  توظف الأفلام ” بيداغوجياً” أو العلم الجديد لمعالجة مواضيع وشؤون اجتماعية، بحسب الناقد السينمائي اللبناني هوفيك حبشيان، لتشكل درسا للآخرين خصوصاً اذا كانت المواضيع المطروحة فيها اقرب للقضايا التي تنتصر للفرد داخل مجتمعات نامية، حيث ظلم وانعدام عدالة واضطهاد تعاني منها فئات من المجتمع او المجتمع كله.

سر الوجوه على الشاشة.. اللقطات القريبة وجاذبيتها

 ويشير حبشيان لوجوده كم وفير من الأفلام التي تعالج قضايا وتعتبر مادة دسمة للمهتمين بقضايا حقوقية، وهم غالباً لا يمانعون من استخدام الفيلم كوثيقة تدعم مقولاتهم ونظرياتهم واطروحاتهم.

  ويقول حبشيان:” السينما وسيلة جماهيرية تمس القلب وتخاطب الروح، لذا افهم اللجوء اليها للترويج لحقوق الإنسان على أنواعها.“.

 ولكن حبشيان بالوقت ذاته  يرى أنه من الصعب المراهنة على تغيير سريع في بلدان محصنة ضد اي شكل من اشكال الانتفاضة على ما هو سائد، مبينا أن  “السينما وحدها غير كافية لكنها تساعد”  إلى جانب التربية في الاطار العائلي والمدرسة والاعلام.

ويؤكد حبشيان على ان للسينما دور تعليمي من بين ادوار اخرى شريطة معرفة  من يجب ان تتوجه اليهم؟، معللا ذلك بأن بعض الناس لا تعي حقوقها بحسب حبشيان لأن طبيعة مرتادي السينمات المهرجانات عادة هم على قدر معين من الوعي ولا يحتاجون اليها في الأساس،

ومن هنا فإن أي سينما تضع القضية على حساب الفن تتحول لـ”بروباغندا”، وفقا لحبشيان، فالفيلم الذي يهدف لتقديم معلومات للمشاهد  لا ينتمي لـ”فن السينما”.

 فالمشاهد ” الذكي قادر على التمييز ولا يمكن بلوغ عقله والتأثير بعاطفته إلا من خلال رؤية ما هو حقيقي، هذا لا يحصل إلإ باستخدام لغة سينمائية  والمشاهد ذكي يعلم جيداً الفرق بين الدس والأصيل. لا يمكن بلوغ عقله وعاطفته الا من خلال اقناعه بأن ما يراه حقيقي، ومن اجل النجاح في اقناعه يجب اللجوء الى اللغة السينمائية اولاً.

تفعيل دور النشطاء

” مهرجان كرامة لأفلام حقوق الأنسان لا يقتصر على عروض للأفلام فقد بل يشرك الجمهور ويفعل دور النشطاء فيه، للحديث وللدفاع عن حقوق الإنسان من خلال تسليط الضوء على أهمية حقوق الإنسان.

 حيث  تعرض لنا ما يمكننا القيام به في حياتنا ومجتمعاتنا من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان، وبذلك تصبح مصدرا للإلهام ودعوة إلى العمل”، بحسب الناشطة الحقوقية هديل عبد العزيز المديرة التنفيذية لجمعية “مركز العدل للمساعدة القانونية.

 عبد العزيز التي شاركت في جلسات حوراية في دورات سابقة من “كرامة”، تلفت لدور الندوات و الحلقات النقاشية التي التي مكملة لموضوع المهرجان ، رائية انها  تكون وسيلة فكرية و نقدية لشرح و نشر ثقافة حقوق الانسان و اعمدتها الرئيسية.

 وتضيف الناشطة عبد الغني أن :”الندوة هي تفنيد و تحليل لثيمة المهرجان و سبب لطرح الاسئلة و تعريف الجمهور بالقيم الجوهرية الحقوقية”.

 بالمحصلة فإن تصور حقوق الإنسان أمر أساسي لفهمنا للمفهوم؛ لا يمكننا أن نَكُون بدونه. وعلى هذا النحو، فإن الصور الفوتوغرافية والأفلام والفيديو ستظل عنصراً أساسياً في التثقيف في هذا المجال.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock