آخر الأخبار حياتناحياتنا

شاب يحول شغفه بعالم العطر وعبير الورود إلى ما يشبه الروايات!

ديمة محبوبة
عمان– كتب الروائي الألماني باتريك زوسكيند، رواية كاملة في العام 1985 عن العطر والشغف به، والتي ترجمت إلى 48 لغة، وباعت أكثر من 20 مليون نسخة.
قد تكون شخصية جان باتيست غرونوي، بطل الرواية خيالية، لكن يبقى شغف العطر حقيقيا بعبيره ورائحته الفواحة، متأصلا عند العاملين والمغرمين به. ومنهم الشاب الأردني محمد أبو شقرا، الذي بدأ شغفه بالعطور منذ الصغر، على الرغم من عدم اهتمام عائلته به، فكان يزور محلات بيع العطور باستمرار، ليشم العطر ويتذوق روائحه، إلى جانب قراءة تاريخ العطور وكيفية استخراجها.. متسائلا: لماذا نجح عطر ولم ينجح آخر؟.
بدأ اهتمام الثلاثيني أبو شقرا بالعطر منذ كان طفلا في عمر 12 عاما، إذ كان متلهفا دائما للاستمتاع بروائح عطور والده، وتجربتها على نفسه، وحينما كان يرافق عائلته لمحال بيع العطور، كان يأخذ وقتا وطويلا وهو يشتم الأنواع التي تقع عليها عينيه، متسائلا مع نفسه: كيف تصنع؟ وكيف تصل لنا بعبيرها. تطور لديه هذا الشغف بالعطور، حينما كان يذهب لمحلات تركيب العطور، مختبرا نفسه إن كان باستطاعته أن يميز عطرا أصليا عن آخر مصنع ومركب بشكل سريع وغير متقن.
لم تكن عائلته تهتم بالعطور، فكانت تعمل بتجارة المواد الغذائية، ولم يكن اهتمامها أكبر من أنها وسيلة فقط تكمل أناقة الشخص، على عكسه هو كان يتتبع دائما مصدر عبير كل عطر؛ ليسأل عن نوعه؟ وماذا يتضمن؟.
درس أبو شقرا في جامعة البترا فنون جميلة تخصص جرافيك، هذا التخصص جعله شغوفا بالعطر بشكل أكبر، معلقا “اشبه العطر باللوحة الجميلة بمزيج ألوانها ورحيقها.. وكذلك العطر بخلط المواد وذوق صانعه”.
يقول أبو شقرا، “أخذت دورات في معهد فرنسي لفن العطور وتطوير حاسة الشم، له فرع في تايلند، وشاركت كخبير عطور بمعارض في دبي لشركات عطور إماراتية في 2015 و2016 و2017”.
ويضيف “في البداية كنت أسافر لأشارك في معارض العطور كزائر، بهدف التعرف على الشركات، ومعرفة كيفية استخراج العطر وأصوله بالمثابرة والاجتهاد، إذ كان شغلي الشاغل معرفة كيفية تقطير الورود وتحويلها لزيت عطري يستخدم في العطور العالمية، وبقي هذا الفضول والبحث قائما حتى توصلت إلى شركة تستأجر أراض في العالم، وتزرعها بالورود المعروفة حول العالم، وتحولها إلى مواد تستخدم في العطور”.
من هنا قرر تحويل الشغف والفضول لعلم حقيقي، فأخذ الدورات المتطورة في هذا المجال، ومن خلالها سمت قيمة العطر في نظره، إذ أن 2 طن من الورود يستخرج منه 100 مل زيت عطري إضافة إلى الإرهاق بصنعه، مما يعني أن العطر ذي المواد الأصلية ومن الزيت العطري الخالص أغلى من الذهب.
ويذكر أنه قبل أخذ الدورات جرب استخلاص عطور لكنه فشل كثيرا، لكن بعد صقل شغفه بالعلم، بدأ تجاربه ليكون عطره الأول “شفق” وهو عبارة عن عطر نوتاته الرئيسية قصب السكر والعنبر، وبقي يستخدم بشكل شخصي، كهدايا للأقارب والأصدقاء والعائلة مدة أربعة أعوام، وفي العام 2018، صنع كميات كبيرة منه للتجارة، بعد الطلب المتزايد عليه من الأصدقاء والأقارب، وبتشجيع من أخيه الكبير، لاستثمار العلم والشغف وتحويله لشيء حقيقي.
ويتابع، “عندما قررت تحويل الشغف إلى مشروع حقيقي، ذهبت بجولة في مصانع العطور العالمية والمعروفة في أوروبا وتركيا، إذ صقلت هذه الرحلة الكثير مما تعلمته سابقا، وتعرفت على ماكينات لاستخراج العطور وخلط المواد وجعله شيئا خاصا”.
ويملك أبو شقرا اليوم، معمله الخاص، الذي يشتري مواده من خارج الأردن، بما فيها الزجاجات والتي تأتي من فرنسا وتايون وسويسرا وتركيا، ولديه 20 خطا عطريا، منها الخشبية، والشرقية، والفاكهي، والزهري، وينتج 70 عطرا.
ويؤكد أبو شقرا، أن تصميم الهرم العطري لكل نوع يحتاج من ستة شهور لسنة، والمقصود بالهرم العطري، “بداية العطر وقلبه والقاعدة”، وبداية العطر أو الافتتاحية هي ما يشمه الشخص أول 3 دقائق، ومن ثم قلب العطر والذي تكون مدته ساعة على أبعد تقدير، ليستقر العطر في قاعدته ويبقى لمدة طويلة بذات الذائقة والرائحة.
ويؤكد أن ثبات العطر عبارة عن احترافية في التصميم ونوعية المكونات، فعلى الناس أن يكونوا أكثر وعيا في تركيب العطر، فالعطور الحمضية ثباتها أقل، لأن مكوناتها “طيارة” على عكس العطور ذات التراكيب الخشبية والعنبر والعود والمسك، مبينا، “ولا بد من توافر عناصر في العطر ليقول أنه رائع، أولها ألا يكون يشبه عطرا آخر، وهذا دليل على أن مستخرج ومصمم العطر تعب على تركيبته وتميز به، ولا بد أن ينتظر مدة حتى يصل العطر إلى القاعدة، حتى تظهر الاحترافية في التصميم، وفي النهاية ديمومة العطر وفوحانه”.
ومن الصعوبات التي تواجهه، أنه لن يستطيع صنع “الشفق” بالرائحة ذاتها لمدة عام، حتى يعود ويتوفر نوع قصب السكر المستخدم واعتادت عليه الناس وأحبته، مما يجعله يستخرج “الشفق” بتركيبة جديدة ومذاق مختلف، وهذا ما يحدث مع الكثير من الشركات العالمية التي تمنع بشكل مفاجئ استخدام مادة اعتاد عليها الناس وأحبوا عطرها، إذ لا يبقى العطر كما كان عليه في السابق.
ويؤكد أن المواد المستخدمة في عطوره، مطابقة للمواصفات والمقاييس لمنظمة العطور العالمية، IFRA.
ويشير أبو شقرا إلى أن رسالته في الحياة، هي أن من حق الجميع، استخدام عطور راقية وفواحة، لكن بأسعار مقبولة، فبعض شركات العطر العالمية، تبيع الماركة والزجاجة بثمن أغلى من مكونات العطر نفسه.
ويوضح أن حاسة الشم الدقيقة، تفصل عند حد معين، بعد استنشاق عدد من العطور، وأغلب العطارين العالميين يفضلون عدم استخدام العطر على أنفسهم كي لا تختلط الروائح في أنوفهم، لكن الهواء النقي كفيل بإعادة الشم للأنف باحترافية.
ويشير أبو شقرا، إلى أن عطوره تباع في الأردن والخليج العربي وأميركا، لكن بكميات قليلة إذ يعمل على استخراج رخصة تصدير، حتى يتمكن من إيصال عطوره إلى أكبر عدد ممكن من الراغبين به.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock