ترجمات

شارلوت برونتي: رائدة الحركة النسوية بلا منازع

كلير هارمان*

ترجمة: موفق ملكاوي

مع الذكرى المئوية الثانية للكاتبة شارلوت برونتي، تتصدى الكاتبة كلير هارمان، ومؤلفة سيرة الحياة الجديدة لبرونتي، والتي طال انتظارها، لتوضيح ما الذي تستطيع برونتي وبطلاتها تعليمنا إياه إلى اليوم.
كابنة لعائلة عادية فقيرة، ومكافحة لكسب لقمة العيش من خلال عملها مدرسة ومربية، لم تكن شارلوت برونتي تفكر في نفسها على أنها ثورية محتملة، ولكن وجهات نظرها الثورية تبدّت فور أن بدأت التعبير عن نفسها. كتبت رواية “جين آير” في السر، ونشرتها تحت اسم مستعار، لذلك فقد امتلكت فكرة بسيطة، فقط، عن حجم الإثارة الذي اختبره قراؤها الأوائل الذين عاشوا مع شغف وعذوبة الحكاية الذكية.
لكن الأهم من ذلك كله، كان بطلة الرواية التي أجبرت الناس على الجلوس والتنبه والإنصات، خصوصا من خلال روحها المتوقدة، ورفضها تقديم تنازلات.
في العاشرة من عمرها، تتصدى جين لأقربائها غليظي القلب، حين تردد “غير عادل! غير عادل!”، كما يحدث في العادة مع أي عبد متمرد. لقد دقت الأجراس في آذان النقاد، حتى في الوقت الذي استحوذ فيه أسلوب الإثارة القوطية على القصة، وتسارعت نحو نهاية سعيدة لجين مع روتشستر.
ماذا كان كل هذا الحديث عن المساواة، حول العصيان، وحول الشجب لرجال الدين كمنافقين، وحول رموز السلطة كمثار للشك والتساؤل؟
أحد النقاد الغاضبين، ادعى أن الرواية تجسد بالضبط نفس الروح التي كانت تتربص بأوروبا على شكل ثورة، في حين اتهم ناقد آخر المؤلفة بـ”اليعقوبية” المحفوفة بالمخاطر.
ربما تعتقد أن 168 عاما ستكون طويلة بما فيه الكفاية للثقافة لكي تستوعب ما كانت تقوله فتاة غامضة من العهد الفيكتوري، ولكن عندما أعدت قراءة روايات برونتي مؤخرا، أدهشني الكم الكبير الذي ما يزال غير مهضوم تماما فيها.
كانت جين اير، من بعض النواحي، ضحية لنجاحها: إنه كتاب تمت طباعته في العام 1847، وقرأه الملايين وتم تحويله إلى أفلام ومسرحيات. إنه كنز وطني، مألوف ومريح كما لو أنه علبة من الشوكولاته. ومثل كل الكتب الكلاسيكية، يشعر الناس أنهم يعرفون كل شيء عنه، من دون الحاجة إلى النظر في صفحة واحدة منه.
يتذكر الجميع المشاهد التي تندد فيها جين بخالتها القاسية “ريد”، وتتحدى تسلط المعلمين البلطجية في (لاوود)، وبفخر ترفض عرضا رخيصا من السيد روتشسر لجعلها عشيقة له.
لكن المبادئ الصارمة التي تقوم عليها الدراما فقدت بعضا من وضوحها. إن جملتها “أنا لست طائرا، ولم تصطدني أي شبكة: أنا إنسانة حرة، بإرادة مستقلة” هي بيان متماسك مثل أي جزء في البيان الثوري لكارل ماركس، الذي نشر بعد عام من نشر “جين آير”: فتاة برونتي المتمردة تتحدث لجميع الناس المسحوقين عندما تقرر أن تحدث نفسها، وبأكثر “مشاعر الحرية غرابة”، ليبدو “كما لو أن رباطا غير مرئي انفجر”.
إن عدم المساواة التي اختبرتها شارلوت بحدة، هو التمييز بين الجنسين الذي سيطر على منزلها، وتجلى بعدم المساواة في المعاملة بينها وبين شقيقها برانويل. لقد منح الشقيق فرصا تعليمية عديدة خلافا لشقيقاته اللامعات، كما تم تشجيع رغبته في أن يكون فنانا. في حين كان على شقيقاته أن يفكرن بكسب المال في المقام الأول.
كرهت شارلوت مهنتها كمدرسة ومربية، غير أنها تمسكت فيها بإصرار، على أمل الهروب من خلال الكتابة. لكن المفارقة لم تغب عن بالها في أنه سواء كانت المرأة تعمل أم لا، فإن النساء لا يتمتعن أبدا بالحرية، بينما إخوانهن، وكما هو معتاد، هائمون في العالم، ما يجعلها تنظر إلى العالم الذي يظن أن جميع الكائنات، فيما عدا المرأة، “أكثر حكمة وأقل عرضة للضلال”.
لم يكن الزواج وسيلة للخروج من ذلك الوضع المتأزم. قالت إنها تريد القيام بأي شيء آخر عدا أن تكون واقعية أو أن تقدم على “لعبة انتفاع”. اعتمدت شارلوت هذا الأمر، وآمنت بأنه حتى الفتيات الثريات يجب أن يقمن بإعداد أنفسهن لأن يكنّ مستقلات حتى يتمكنّ من تجنب الضحالة و”الشفقة المهينة” في سوق الزواج.
بطلتها، شيرلي، في رواية تعود للعام 1849، هي، بهذا الاسم، تجسد الحرية التي من الممكن أن يمنحها عقل مستقل (ووسائل مستقلة). الثراء، الوسامة، الصحة، خلو البال، أنها حتى الآن الأكثر نشاطا والأقل قلقا من بين جميع شخصيات شارلوت الإناث، كما أنها، أيضا، الأكثر غرابة. “من المفترض أن تكون المرأة عموما هادئة جدا: ولكن المرأة تشعر كما يشعر الرجل؛ فهي بحاجة لتدريب ملكاتها، وبحاجة لحقل تفرغ فيه جهودها بقدر ما يفعل الرجل”.
البيان الذي أطلقته جين إير يبدو معقولا، ولكن حتى مع حق الاقتراع، حبوب منع الحمل، المساواة في الأجور، التشريعات الحديثة، والرجال الجدد، فإننا بالكاد نستطيع أن نبدأ في تحصيل السيطرة على مفهومها للنسوية.
واحد من المشاهد الأكثر إثارة للدهشة في جين آير، وهو مشهد يمكن تقديمه كنوع من التنكر، يتبدى عندما يأخذها روشستر إلى التسوق للتحضير لحفل زفافهما، وهو خلال الفترة الوجيزة الواقعة بين إعلان حبه لها ومعرفتها بشأن زوجته. جين سعيدة إلى درجة لم تتخيلها من قبل، ولكن ضميرها لا ينام، و”كلما اشترى لي أكثر، كلما ازداد احتراق خدي بشعور من الانزعاج والانحطاط”.
تلك الكلمة مرة أخرى، “انحطاط”. إنها ليست كلمة مرتبطة عادة بمشاهد التسوق (التفكير في الأمر هو محاولة للعثور على مكان داخل امرأة جميلة، أو مواكبة عائلة كارداشيان)، ولكن الأمر الوحيد الذي يجعل جين تقبل أي هدايا من عريسها المستقبلي هو عزمها الخاص بإرجاع كل قرش في وقت لاحق، وذلك باستخدام مكاسبها الخاصة. إنه تشدد، وهذا يضر.
شارلوت دعمت اعتقادها بأن القيمة المتأصلة ستكون واضحة للمراقب الحقيقي الصحيح، رغم أن بطلتها، لوسي سنو في رواية “فيليت”، وجدت، وللأسف الشديد، أنه من الصعب الاعتقاد أن أحدا سوف يرى، في أي وقت، رزانتها السابقة، وقد طوّرت “رهبة مؤرقة حول ما قد تكون عليه درجة قصوري الخارجي.. وخوفي الكبير من نفور الآخرين”.
شارلوت أخبرت أول كاتبة سيرة لها، إليزابيث جاسكل، بأنها اختلفت مع شقيقتيها إميلي وآن في الجدل بأن بطلات الروايات يتوجب عليهن أن يكن دائما جميلات، وأنها قبل البدء بكتابة “جين آير”، قالت لهما “سوف أريكما بطلة عادية وصغيرة مثلي، وستكون مثيرة للاهتمام مثل أي بطلة لديكما”. كان قرارا جريئا، ولكن الكثير من قوة الكتاب يأتي من حقيقة أنه ليس قصة سندريلا بسيطة، فتطلعات جين هي واحدة من مصائبها العديدة.
عندما تريد جين تسليح نفسها ضد حماقتها في أول تفكير بإمكانية حب روتشستر لها، فإنها تجلس أمام المرآة وترسم لنفسها، وبلا رحمة، صورة ذاتية واقعية “من دون تلطيف عيب واحد”، وتكتب تحتها “صورة مربية، بسيطة ومشردة وفقيرة”، لتثبيت حقيقة وضعها. بعبارة أخرى، فإنها رسمت لنفسها صورة ذاتية مظلمة لقمع غرورها.
قبل (فرويد) بوقت طويل، فهمت شارلوت كيف أن النرجسية هي الخطيئة التي تحيق بالأنثى، والتي تأخذ من قيمة المرأة، ولكنها امتلكت الترياق دائما: احترام الذات.
هناك الكثير مما يمكن تعلمه من هذه المشاعر الثورية. عندما كانت شارلوت على حافة بداية كتابة “جين اير”، كتبت لصديقتها (إلين) حول مدى رغبتها في السلطة “لبث القليل من قوة الفخر الهادئة في نفوس المضطهدين”.
كم من الرعب يمكن لها أن تختبره في زمن يكرس أن الرقص الإباحي قادر على تمكين المرأة، أو أن الجنس عبر الرسائل النصية هو نتاج التنوير. لكن جملة “لأنني أستحق ذلك”، أحيانا، تعني شيئا مختلفا بالنسبة إلى جين اير.

•شارلوت برونتي، هي روائية وشاعرة إنجليزية، كانت الأكبر بين الأخوات برونتي الثلاث؛ شارلوت وإميلي وآن، اللواتي تعتبر رواياتهن من أساسيات الأدب الإنجليزي. كتبت روايتها الشهيرة جين اير تحت اسم ذكوري مستعار هو كيور بيل.
•كلير هارمان: كاتبة وناقدة بريطانية. وهي زميل الجمعية الملكية للأدب، ودرّست اللغة الإنجليزية في جامعتي أكسفورد ومانشستر. كما درّست أيضا الكتابة الإبداعية في جامعة كولومبيا. والمادة نشرت في “الإندبندنت”

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock