أفكار ومواقفرأي في حياتنا

شاهد قبل الحذف

بالفيديو المصوّر من دون ارتعاش، زوج يحاول ثني زوجته، العروس، عن أمر ما، خاض معها مفاوضات شاقة قبل أن تنفذ ذلك الأمر الصعب، توسّلها مثل المحكوم بالإعدام، وبكاها كرجلٍ بلا حيلة. تحين لحظة تنفيذ أمر أمّون كما يناديها بصوت “ثالث”، أو آمنة كما سيرد لاحقاً في شهادة الوفاة، فيصير بكاؤه هستيرياً، مثل طفلٍ تفضّ أمامه بكارة الحياة، وتنتشر التعازي على صفحات يوتيوب المتحركة، بفيلم قصير صوّره زوج بكفّين ثابتتين، لزوجته وهي ببساطة، تنتحر.
وفي مساحة ضيّقة أمام مصعد كهربائي، تكون طفلة في السادسة بمريول المدرسة، تتطاول لتضغط على زرِّ الصعود، يأتي شاب طويل بما يوحي بأنه رجل، يتأكّد من خلوّ الدرج من السكان الذين خلف جدران العلب في نوم الظهيرة، ولما يطمئنّ تماماً، يحتكّ بجسد الطفلة، ويتمادى كما سيظهر بكاميرا رجل آخر، صوّر المشهد كاملاً حتى دخلت الجريمة، بكلّ أركانها، إلى عتمة المصعد، وحركته الدؤوبة، ثمّ أطلقها، حصرياً، على قناته في يوتيوب، قبل انخفاض أسعار الإعلانات.
يلتقط مقاتل من أجل حقوق الإنسان، صورة لزميله وهو يضع بسطاره فوق رأس قتيل على وشك الموت بوجه زومبيّ، يرفع الفيديو بالتزامن مع صعود الروح، ثمّ ينقسم شعب فيسبوك بين أعجبني وأضحكني وأفرحني وأبكاني. تصوّر الكنّة حماتها وهي تحتضر، ومعلّم طلابه وهم ينصاعون ببكاء مرّ لوضعيّة الفلقة، ويثبّت هاوٍ كاميرا هاتفه المحدود الذكاء على جثة طالبة قتَلها أبوها لمزيد من الشرف، يقترب من جثَّتِها المرتعشة، ويعود لمكانه مبتهجاً لإضافة ثلاثين ثانية للفيلم المشوّق: “لسّه فيها نفس”.
ينهال عربيّ على رأس هندي بالحجارة، وسط الشارع، أثناء مرور سيارات الدفع الرباعيّ المكيّفة والمعتمة بالتظليل الحراري. هرَسَ رأسه على الإسفلت الحارّ، كما اتفقت على ذلك بوضوح ثلاث زوايا، تقف فيها ثلاث كاميرات أمام ثلاثة رجال (أو ما يبدو) صوّروا الحادثة بدقة قناة رياضيّة، كما لو أنّها ركلة جزاء مشكوك في صحّتها، وما عليكَ عزيزي المقيم في شجرة تويتر، سوى أن تختار سماع الحادثة بصوت عصام الشوالي أو فارس عوض.
مات فينا شيء ما، كما يموت الضمير على مهل، في الزمن الفاصل بين جيلين، ثمّ ينسحب في ظروف غامضة، وبموته الأكيد، منذ عام ألفين وأرقام فردية عدة، اكتسب الإنسان العصريّ وظائف الهاتف، حتى التقيا رغم فارق الأجيال، في الجيل الخلويّ الرابع، فما عاد همّ الإنسان منع الموت، بل صار يستدرجه، يترقبه بحدس مبرمج، يقف بجواره كما يداعب حيواناً مروّضاً، يصوّره على بعد مترين، يلخصه في مشهد قصير، يسارع إلى رفعه قبل صعود الروح، في ساعات الذروة، ممهداً له بعنوان تجاري: شاهد قبل الحذف.
مات شيء ما، ولم يبق منّا سوى مراهق يرصد حركة الموت على سرير المغنية ليذيعه قبل أغاني الحصّادين، ومتصابية تلتقط الشيخوخة على وجه ممثلة عبرة للذين لا يعتبرون. الناس الذين كانوا يغمضون أعينهم بأكفّهم ليتفادوا الشرّ في ملامح توفيق الدقن ماتوا ميتة ربّهم، وأصحاب القلوب الهشّة الذين لا يحتملون سماع قارئة الفنجان حتى الدقيقة الرابعة والخمسين، استحوا مفضلين الموت في الحريق على الخروج عراة.. ولم يبق منّا سوى الفتى العائد من جنازة ساخنة، يكتب على صفحته “كم إعجاباً يستحق هذا الموت”، و”اضغط بزرّ الإعجاب على جثتين لقتيل واحد”!

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock