تحليل إقتصادي

شبابنا العربي وحكوماتنا الوطنية

محمد البشير*

عمان- يتعرض شبابنا العربي، على وجه العموم، والشباب الأردني، على وجه الخصوص، الى تحديات كثيرة وخطيرة، منها ما هو متعلق بالتحديات السياسية ومنها ما هو متعلق بالتحديات الاقتصادية التي تجتاح الوطن العربي عموماً، بعد أن تخلت الحكومات عن دورها في إدارة شؤون البلاد بتوازن وحرص قادر على تعزيز استمرار تطور أقطارنا العربية بالاتجاه الصحيح، وعمدت الى تخفيض النفقات الرأسمالية والتعظيم من نفقاتها الجارية؛ حيث اعتمدت في تمويل النفقات الجارية على الضرائب غير المباشرة كمصدر رئيسي للخزينة (ضريبة المبيعات والرسوم الجمركية) وجعلت من الضرائب المباشرة (ضريبة الدخل) مصدراً ثانوياً لها.
لقد أدى ذلك الى ارتفاع كلف الإنتاج من جهة وإلى تراجع النمو وسالبية المؤشرات الاقتصادية من جهة أخرى، مما ضاعف من معاناة الطبقتين الوسطى والدنيا بسبب ارتفاع معدلات التضخم انعكاساً لارتفاع الأسعار وثبات الدخول في معظم الأقطار العربية، مما اضطر الحكومات خاصة منها الدول العربية غير النفطية، إلى اللجوء الى الاقتراض الذي تسبب في مزيد من النفقات الجارية عبر خدمة هذه الديون التي بلغت بحدود (256719) مليون دولار في العام 2017 وارتفعت الى مبلغ (269555) مليون دولار في العام 2018، بالإضافة الى الكلفة العالية التي سببتها تشريعات استحداث وحدات مستقلة على موازنات هذه الدول من جهة والآثار والأعباء الاجتماعية التي ترتبت على غالبية الموظفين لدى القطاع العام والمؤسسات المستقلة التي أحدتثها الفروقات في الدخول وامتيازات العمل التي يتمتع بها موظفو المؤسسات المستقلة من جهة ثانية.
باستعراض كثير من الملفات الوطنية، نجد أن العامل المشترك الأعظم لكل هذه التحديات يتمثل بغياب العدالة على وجه الخصوص وغياب القانون على وجه العموم، وأحياناً غياب تفعيل بعض نصوص القانون و/أو الاعتداء عليها عبر تعليمات لا علاقة لها بهذه القوانين.
في قطاع التعليم، نجد أن تعليمات رسوم الموازي في الجامعات الحكومية تفرض رسما أعلى على الأردني الذي يحمل شهادة تعليم ثانوي غير أردنية، وهذا فيه تمييز بين الأردنيين خلافاً لأحكام الدستور، كما أن التعيينات في الإدارات العليا في الوظيفة العامة تميز بين الأردنيين حسب مصدر الشهادة التي يحملون، فالأفضلية لمن يحمل شهادة غربية، أما الأردني الذي يحمل شهادة من الجامعات العربية، فإن حظوظه قليل في الحصول على الوظائف وتحصل اختراقات أحياناً اذا كانت هناك تدخلات تدعم هذا الشخص أو ذاك.
في القطاع الصحي، يعاني الكثير من شبابنا الأردنيين من خريجي الجامعات العربية تمييزا آخر وفق تعليمات المجلس الطبي الأردني التي ميزت أيضاً بين هؤلاء الأردنيين حاملي تلك الشهادات التي طالبتهم بالحصول على شهادات عُليا بالتخصص (دكتوراه) كخطوة للحصول على التخصص، وثبت لكل المعنيين أنها تعجيزية وغير مفيدة لوطننا، ومن المفارقات العجيبة أن بعض هؤلاء يكونون قد أنهوا دراستهم التخصصية في الطب في بلد مثل أوكرانيا مثلاً تؤهلهم الشهادة التي يحملونها لمعالجة المواطنين الأوكرانيين وهم (45) مليونا، بينما تحول تعليمات في الأردن دون الاعتراف بهذه الشهادة كمدخل لاستكمال السنة الرابعة من التخصصات للتقدم لامتحان البورد الأردني وإمعاناً في مزيد من التحديات أمام هؤلاء يتم الاعتراف بسنوات التخصص تلك بسنة واحدة شريطة اجتياز الامتحان الأول (سنة أولى تخصص)، مما يعني ضياعاً للوقت والمال الذي تكبده وأنفقه مئات الشباب الأردني، هذه أمثلة يعيشها شبابنا في الوطن العربي ومن الأسباب التي رفعت من نسبة الراغبين في الهجرة من وطننا العربي وتحول دون تحقق العدالة التي تدعي حكومتنا أنها تعمل من أجلها، أو تدعي أنها تعمل من أجل حمايتها.

*باحث اقتصادي

مقالات ذات صلة

السوق مغلق المؤشر 1847.07 0.85%

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock