أفكار ومواقف

شبابية وليست شباب

سائد كراجة

إن الشباب المقصود في المشاركة السياسية ليس حالة عمرية، العمر هو مؤشر واحد من مؤشرات الشباب الذي نقصده، أما الذي نحتاجه هو ما يمكن أن يسمى حالة شبابية تباشر المراجعة والنظر في تفاصيل الواقع العملي والسياسي والديني بعين النقد والجرح والتصحيح، هذه الحالة الشبابية تصبح ذهن المجتمع الشاب الذي يرسم ملامح المستقبل لوطن آمن إنسانيا مستقر سياسيا فيه رزق من الثمرات يضمن استقلال شخصيته ومستقبله وقراره السياسي والاقتصادي، وطن يشبه نفسه وتاريخه الذي قام على التنوع وقبول الآخر، حيث الإنسان الذي جعل من تحديات واقعه فرصًا، فانتصر على قلة موارده بالعمل والتصميم، طالبا العلم من المهد إلى اللحد، حاصدا إنجازات مادية وفكرية وثقافية وفنية، وطن التنوع والاختلاف المثري للإنسان والوطن.

إن حراك الأحزاب القائمة أو التي في طور التشكيل لحشد مجموعة من «الشباب» – رغم الكفاءات والطاقات الكبيرة عند بعضهم – لن يحقق هدف المشاركة السياسية المقصود، ذلك أن بعض الشباب فيه من الشياب – سواء الزاهدين فعلا بالمناصب أو المدعين ذلك – الكثير، فيهم التكالب على المناصب والسعي وراءها وفيهم القليل من العمل للمصلحة العامة مقابل المصلحة الشخصية وفي بعضهم ما في بعض الشياب من ضيق الأفق وادعاء امتلاك الحقيقة الكاملة والحكمة، ولهذا فإن واقع الحال العمري لا يعني أن كل الشباب جاهزون لقيادة العمل الحزبي ولا أن الشياب غير مؤهلين لقيادته والمساهمة فيه!

أعتقد أن أفضل ما يمكن أن تفعله الدولة لمستقبل الحالة الحزبية هو أن تخرج للحياد فقط، بأن تؤمن تكافؤ فرص العمل للجميع وأن تنكبَّ على ترسيخ سيادة القانون واحترام الدستور وأن تترك الساحة الحزبية تتفاعل للتطور عضويا نحو حالة سياسية شابة يكون الشباب فيها عنصرا عضويا فاعلا وليس ديكورا يصبح هو نفسه عائقا دون التطور الحقيقي للفكر الشبابي والحالة الشبابية الوطنية، وفي نفس الوقت أن تؤمن للجميع بحياد ومساواة وشجاعة ممارسة قناعاته بسلمية ووطنية دون وصاية منها أو من الآخر، وأن تترك لجميع الأفكار والمسارات حرية العمل ضمن القانون والدستور وأن تولي الفن والمسرح والموسيقا والرياضة والعمل الكشفي والفن الشعبي الاهتمام الذي يليق بها، تماما مثلما تولي بيوت العبادة وحرية ممارسة الشعائر اهتمامها في بيئة تضمن حق الاختلاف والتنوع وتضمن حرية المواطن التامة كما رسمها الدستور وضمن حدود قانون ينظم هذه الحرية ولا يلغيها أو يقيدها!

أعلم أن طرحي هذا فيه بعض الطوباوية وقد يرى فيه البعض طرحًا مثاليا وقد يثير مخاوف عند البعض من «أن ترك الحبل على الغارب» قد يعطي لجهة ما فرصة الاقتناص والاستفادة من حالة تفرد قديمة أتاحت لها حالة « شعبية « عريضة قد تؤثر على المشهد السياسي المستقبلي، والحقيقة أني ومن واقع إيماني المطلق بحق الجميع بممارسة قناعاته، ومع تسجيل أن حالة الاستئثار هذه كانت نتيجة ممارسات الدولة في التضييق على جهات معينة مقابل تسهيل عمل جهات أخرى والمجال ليس مجال لوم وعتاب، إلا أنني أعتقد أن أفضل طريق لخلق التوازن السياسي في المجتمع لا يكون بحصار أي جهة بقدر ما يكون بإتاحة العمل لجهات متنوعة تخلق التنوع والتوازن والردع السلمي لتغول فريق على آخر.

ليس على الدولة الآن سوى الحيلولة دون أن يكون لأي جهة وصاية على جهة أخرى، وأن تتيح للجميع على قدم المساواة فرصًا للنشاط الحزبي والعمل العام، على أن يكون ذلك ضمن خطة وطنية شاملة تحيي التعليم المتنور والمتنوع وتحرص على الحريات الفردية والجماعية، وتحيي المسرح والفن والتراث الشعبي والرياضة والكشافة وأن تضمن تطبيق القانون على الجميع.

إن الحرية هي مناط البدء والانتهاء، وإن كبت حريات الناس بداعي الحفاظ على الهوية الدينية أو الثقافية سيودي للإطاحة بالكثير وحتى بالهوية الدينية والثقافية، ولهذا فإننا نحتاج لوقف الوصاية الأخلاقية أو المتدينة من أي جهة على أخرى، وهذا من صميم عمل الدولة من خلال الوقوف بحياد على تطبيق القانون والدستور، وهذا متطلب أساسي مسبق لتشكيل الحالة الشبابية التي نتحدث عنها والتي نأمل أن تكون رافعة العمل السياسي في الأردن ومستقبله، عسى تفهم علي جنابك.

المقال السابق للكاتب

الشباب في الحراك الوطني

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock