أفكار ومواقف

شباب الإصلاح المجزوء

مضحك مبكٍ أن يكون عنوان “خُمس الشباب في دول عربية متوسطية يرغب في الهجرة”، والذي تداولته وسائل إعلام عربية وأجنبية قبل أيام، عنواناً مثيراً؛ لكن ليس بارتفاع النسبة، بل العكس! أي انخفاضها بشكل حاد مقارنة بالانطباع العام السائد، والذي بموجبه قد تصل نسبة الشباب الراغبين في الهجرة من العالم العربي إلى 99.9 %.
طبعاً، الدراسة الصادرة بعنوان “هجرة الشباب العربي المتوسطي: من يريد المغادرة ولماذا؟”، عن مركز برشلونة للشؤون الدولية، ضمن مشروعه الخاص بالشباب العربي المتوسطي “صحوة”، شملت خمس دول فقط، هي المغرب والجزائر وتونس ومصر ولبنان. وهو الأمر الذي قد يفسر انخفاض النسبة الكلية، ولا سيما مع غياب البلدان التي تعاني الحروب وانعدام الاستقرار. كذلك، قد يكون انخفاض النسبة عائداً إلى إدراك القيود على الهجرة بوسائل قانونية من العالم العربي، وعدم رغبة (أو قدرة) جزء كبير في اللجوء إلى الهجرة غير الشرعية بعبور البحر الأبيض المتوسط.
لكن بغض النظر عن النسبة الكلية، وعلى الرغم من تأكيد الدراسة ضرورة ملاحظة أن “مستوى التعليم، أو كون الشخص عاملاً أم عاطلاً عن العمل، ليسا عاملين مهمين في تحديد الرغبة نحو الهجرة في أغلب بلدان الدراسة”؛ فإنه يظل مهماً احتلال ذوي التعليم العالي ما بعد المدرسي المرتبة الأولى ضمن الراغبين في الهجرة في كل من تونس (59 %) ومصر
(21 %)؛ والمرتبة الثانية في الجزائر (27 %، بفارق 1 % عن أصحاب المرتبة الأولى من ذوي التعليم الابتدائي) ولبنان (17 %).
بعد كل ذلك تبدو المعضلة في التوصية الرئيسة للدراسة، وهي التركيز على الارتقاء بالتعليم لخلق فرص عمل في البلدان العربية. وذلك من حقيقة اعتلاء الظروف الاقتصادية قائمة الدافع إلى الهجرة (الافتقار للفرص المهنية، فقر الظروف المعيشية، الفرص غير كافية للدراسة والتدريب، انخفاض الدخل مقارنة بالبلدان الأخرى، الافتقار لفرص الحصول على خبرة). وهي طبعاً توصية صارت بدهية إلى أبعد الحدود، لكن المعضلة تبدو بشأنها عند أخذها معزولة تماماً عن السياق الاجتماعي بمفهومه الشامل.
ففي الدراسة ذاتها، يظهر انعدام كامل لتأثير “الظروف السياسية والأمنية” في اتخاذ قرار الهجرة (3 % في كل من المغرب وتونس، وصفر في المائة في كل من مصر والجزائر ولبنان). لكن هل من الممكن فعلاً إنجاز أي إصلاح تعليمي مهني من دون إصلاح سياسي، كما على كل مستوى بشكل متزامن؟ هل من الممكن ضمان فرص عادلة في الدراسة والتدريب والتوظيف، من دون حوكمة سياسية رشيدة وشفافية تستأصل الفساد؟
وأهم من ذلك، هل يمكن إصلاح التعليم من دون تعزيز التفكير النقدي؟ وما هي حدود التفكير النقدي؟ إذ حتى في هذا السياق يبدو أن “الحديث” عن الإصلاح ما يزال انتقائياً مجزوءاً، ليس من الحكومات فحسب، بل من بعض المؤسسات والشخصيات المطالبة بذلك؛ حين يبدو أن التفكير النقدي المطلوب بالنسبة إلى هؤلاء يمس المستوى الديني ولربما الاجتماعي فقط، فيما هو محظور على الصعيد السياسي. ولتكون الغاية من هذا “الإصلاح” المنتقى بعناية ليس إلا تحقيق مصالح فئوية ضيقة، تعني ضمان تفاقم الوضع السيئ القائم حالياً.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock