أفكار ومواقف

شباب واع ورئيس وزراء مستمع

“الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه”
سررت كثيرا بمستوى الوعي والمسؤولية لدى شباب الجامعات الأردنية في نقاشهم مع رئيس الوزراء أمس في اللقاء الذي نظمه مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، وكان الدكتور عمر الرزاز مستمعا ومحاورا جيدا وواسع الصدر والأفق، وبالطبع فليس لدي أوهام أو آمال كبيرة حول ما تعد به الحكومة وما يمكن أن تنجزه، لكن اللقاء بحد ذاته عمل رائع، من حيث عقلانية الخطاب في تقديم الأفكار والمعطيات بوضوح ونضوج، ومعاملة الشباب باعتبارهم شركاء في المسؤولية وأنهم على مستوى متقدم من الوعي والإدراك، وليسوا جماهير أو مجاميع عاطفية يمكن جذب تأييدها وحماسها بأساليب إعلامية تفتقر إلى المعلومات والتحليل والصراحة، وبرغم صحة ما يمكن أن يقال ردّا على مقولتي هذه من أنماط واتجاهات غير عقلانية كاسحة في الإعلام وشبكات التواصل وفي سلوك المواطنين والنخب السياسية، فإن ما جرى بالأمس في المركز الثقافي الملكي يؤكد أن شباب الجامعات قادرون على الإحاطة المعرفية الكافية بإدارة المال العام ولديهم تصورات عملية واضحة حول الكفاءة والعدالة في الإنفاق العام، وأعجبني كثيرا استماع الدكتور الرزاز بعمق وتفهم وإحاطته بجميع ملاحظات الطلاب ومناقشتها من غير وصاية أو احتكار، لقد كانت درجة التكافؤ في الحوار والشعور بالمشاركة والمسؤولية تشجع على الاستنتاج بقدرة الشباب على استيعاب التحديات والفرص القائمة والمتوقعة.
هذه المقالة ليست عن الموازنة ولا الأولويات والاتجاهات في الإنفاق العام برغم أهمية الموضوع وما يمكن أن يقال في هذا المجال، لكنها عن قدرة المواطنين جميعهم على اختلاف مواقعهم وأعمارهم، على تنظيم الفضاء العام على النحو الذي يعكس المصالح والاتجاهات والأفكار السائدة، والتأثير باتجاه هذه المطالب والأهداف، والحال أنني كنت أظن قبل هذا اللقاء أن المجال العام يجري إغلاقه وإغراقه أيضا على نحو يجعل القدرة على الاستماع والمشاركة صعبا أو حتى متعذرا، فقد كانت تجربتي وملاحظتي الشخصية في المتابعة والمشاركة في الحوارات والجدالات الدائرة يغلب عليها الإحباط؛ بسبب عجز المسؤولين في السلطة السياسية عن الاستماع، وأسوأ من ذلك أن توقعاتهم من إدارة وتنظيم الفضاء العام هي الحشد والاستعلاء على الأمة والوصاية عليها؛ وأن مشاركة غيرهم لا تتجاوز “التلقي للاعتقاد والتنفيذ” ويكاد لسان الحال يقول لا تتعبوا أنفسكم في التفكير، نحن نفكر عنكم، لكن ليتهم يفكرون، فالخطاب السياسي والإعلامي للحكومات يغلب عليه عدم التفكير! وقد كتبت في الغد قبل سنوات مقالا بعنوان “صرصعة” عبرت فيه عن الاستياء من تنظيم لقاءات شبابية فاشلة تكاد تكون وهمية وكان يطلب من المثقفين الحديث فيها عن الديمقراطية والانتخابات والتطرف وغير ذلك من القضايا المفترض أنها شبابية؛ في حين يبدو واضحا أن المشاركين جرى جلبهم إلى اللقاء بلا علاقة لهم تذكر بما يجري، بل إنهم في سلوكهم وهتافاتهم التي لا مجال لها في محاضرة يفترض أنها ثقافية سياسية أقرب ما يكونون إلى جمهور الملاعب، وأما لقاءات الكتاب والصحفيين مع المسؤولين السياسيين فقد كانت حسب مشاركتي في أخف ما يمكن ان توصف به “تغثّ البال” لدرجة أنني امتنعت منذ عدة سنوات عن الحضور والمشاركة في اللقاءات التي أدعى إليها.
يبدأ الإصلاح في إدارة المجال العام على النحو الذي يتيح للأفكار والاتجاهات المشاركة على قدم المساواة، وألا يكون للسلطة السياسية أفضلية في إشغال المجال العام، وبعد ذلك يمكن بالفعل أن تكون هذه اللقاءات ذات أثر ملموس في الموازنات والسياسات والتشريعات.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock