ثقافة

شرابي يواري الثرى في بيروت

    بيروت – بغياب رجل الفكر العربي الفلسطيني الدكتور هشام شرابي يكون الموت قد طوى ابرز علمين فكريين واكاديميين عرفهما نصف القرن الماضي في الولايات المتحدة.


 وقد تساءل صحافي ورجل فكر لبناني هو غسان تويني رئيس تحرير جريدة  النهار قائلا “هل كتب على المعذب في فكره ومعتقده ان يواكبه عذاب الجسد  حتى اللحظة الاخيرة.”


 فبعد رحيل رجل الفكر الفلسطيني ايضا الدكتور ادوارد سعيد لم يطل المقام كثيرا بشرابي المشرد الاخر بل سار في الدرب نفسه معانيا من السرطان الذي عانى منه سعيد وقد واجه الاثنان الموت المحدق فيهما يوميا بشجاعة وقوة وعدم استسلام فاستطاع الاثنان “الانتصار” مؤقتا على المرض الخبيث  واستمرا في العمل والانتاج الفكري حتى النهاية.


 وبعد تنقل شرابي بين بيروت والولايات المتحدة في السنوات الاخيرة قرر  خلال العام المنصرم العودة الى بيروت التي احب.. بيروت الذاكرة والذكريات القريبة من فلسطين ربما بما يفوق المسافة الجغرافية.


    شرابي الفلسطيني أرسله اهله ليدرس في الجامعة الامريكية في بيروت حيث ادت به رحلته الفكرية الى اعتناق فكر انطون سعادة زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي وتوليه مسؤوليات عالية قبل سفره الى امريكا لاكمال دراسته.


ولم يكد يصل الى الولايات المتحدة حتى هزته اخبار اعدام سعادة وستة من رفاقه وسجن المئات في بيروت سنة 1949 بعد ثورة اعلنها الرجل و”جريمة” من الدولة اللبنانية كما يقول كثير من الناس. على رغم توقفه بعد سنوات عن العمل الحزبي وتحولات فكرية طرأت عليه بقي سعادة يرافقه الى النهاية ومن يقرأ كتاباته خاصة الكتاب المؤثر جدا  “الجمر والرماد” وبعده ” كتاب “صور الماضي” تلفه هذه المحبة والاعجاب الكبيرين بالرجل الذي كان هشام مقربا جدا منه.


ولعل محاضرته قبيل نهاية السنة المنصرمة في بيروت تشهد على التقدير الكبير الذي بقي يكنه لسعادة وفكره والفجيعة التي شعر بها بسبب اعدامه.


 قام شرابي بالتدريس في جامعة جورجتاون الامريكية سنوات طويلة. وقد عمل ايضا في الصحافة في لبنان وامريكا فاصدر بالانجليزية مع صديقه ورفيقه الراحل يوسف سلامة مطبوعة “ذي سريان ريفيو” التي كانت ذات مستوى رفيع في تناولها الشؤون العربية والامريكية المتعلقة بالعالم العربي وشدد في شكل خاص على القضية الفلسطينية.


وركز في دراساته الاجتماعية على “المجتمع البطريركي” او الابوي وحرية الانسان والمرأة وفي شكل خاص على موضوع التنمية. كتب بالعربية والانجليزية وقد كتب عنه عديدون وقدمت دراسات عن نتاجه.


   ومن اعماله العديدة الاخرى “مقدمات لدراسة المجتمع العربي”  و”المثقفون العرب والغرب” و”النظام الابوي” و”النقد الحضاري” و”نصوص ومقالات في القضية الفلسطينية” و”ازمة المثقفين العرب” وغيرها من كتب ودراسات.
    ولعل كلمة تويني التي نشرتها النهار عن الراحل تختصر كثيرا من المعاناة  ومن المفجع. وتحت عنوان هو “انطفأ الجمر التحت الرماد” قال تويني “هل كتب على المعذب في فكره ومعتقده ان يواكبه عذاب الجسد حتى اللحظة الاخيرة.”  في مقدمة الطبعة الثانية من “الجمر والرماد” يقول هشام شرابي “كم  يغيرنا الزمن.. يبعدنا عن انفسنا ثم يعيدنا اليها. الماضي لي الان حاضر تلامس نهايته البداية.”
   في طريقه الى الابدية هل يعرج هشام على يافا. هل يصلى العصر في القدس الشريف. استاذ الفلسفة والسياسة المتنقل بين جامعات واشنطن مهجرا  وحلقات بيروت وطنا للنضال كما للخيبات.. هل صدفة ان آخر اطلالة لهشام  كانت محاضرة عنوانها “انطون سعادة.. صورة شخصية عن قرب” ولم تكن تحمل الصورة غير الصورة المغلفة بالحسرة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock