أفكار ومواقفرأي في حياتنا

“شرطة الأخلاق”

إبراهيم جابر إبراهيم

السعودية، وضمن سياساتها الجديدة، وانفتاحها على العالم، ألغت “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، وإيران، في المقابل، وتحت ضغوط الشارع، والاحتجاجات الأخيرة، قامت أخيراً بحل جهاز “شرطة الأخلاق”.

وهذه خطوات للأمام. فالتربية التي تقسم العالم الى مجتمعات مؤدبة وصالحة ومضمونة الذهاب إلى الجنّة وأخرى ساقطة ومنحلّة، هي تربية خاطئة ومريضة، تنتج أجيالاً أمّية ومعزولة!

والمنسوب القيمي والأخلاقي لا يقاس بشكل جماعي للأمم، بل يتفاوت بين شخص وشقيقه في البيت ذاته!

والعالم الآن مفتوح ومتاح، ولا نستطيع أن نخفي رؤوسنا في الرمال، بينما أولادنا يكتشفون كوناً كاملاً على شاشة محوسبة صغيرة!

ووجود الأعراق النقية هو رومانسية كاذبة، ومغالاة لم تعد تنطلي على الأجيال الجديدة.

فالحياة فيها آخرون غيرنا!

هكذا نكتشف الآن في زمن العولمة، وعصر الاتصال، وحين صار بإمكاننا أن نرى العالم كله مكوّماً في صندوق الكتروني خفيف الحضور!

علينا إذاً أن نعيد النظر في أشياء كثيرة، منها أن نستفيد من (أخطاء التربية) التي حدثت لجيلنا، ونُجنّب أولادنا الوقوع في سوء الفهم ذاته، والتربية الأنانية، والمتعجرفة، التي خلقت منا أشخاصاً معزولين، يعتقدون أنهم هم أول الكون وآخره!

التربية الصماء، التي لا تتقبل النقاش، المنغلقة على مُسلّماتها، ومحرماتها الكثيرة، وهي تربية تتمحور دائماً حول الـ(أنا)، الأنا الشخصية والأنا الدينية والقومية والعائلية؛ حيث جرى تعزيز هذه الأنا حتى تورّمت، ولم تعد قابلة للاعتراف بوجود (أنوات) أخرى في حضارات وبلاد وثقافات وأديان ومجتمعات أخرى!

لم نكن في صبانا لنتوقع (وفق التربية التي تلقيناها) أن هناك عائلة في الغرب، وأن هناك أبا يخاف على طفله، وأن هناك أمّاً تسهر لتدريس ابنها، وأن ابنة تحرص على سمعتها ولا تتورط في علاقة متهورة، وأن الجدة تلقى عناية في موسم الزكام، وأن تغيير سيراميك المطبخ يدهش زوجة بسيطة، وأن هناك دكاكين صغيرة، وسوقاً للملابس، ودعوة على العشاء تحضرها العمّات والخالات!

تربيتنا الحذرة، المتوجسة، شيطنت الآخر، وشوهته، ولم نكن قادرين على أن نرى هذا الآخر، ونفهمه.

لاحقاً عرفنا أننا لسنا ملائكة، وأنه ليس ثمة مجتمعات نقية العِرق وصالحة بالكامل، وليس ثمة مجتمعات منهارة قيمياً وأخلاقياً تماماً، وأن الأحكام القيمية المطلقة هي بذاتها خطأ مطلق، وأننا لا نملك العِصمة والحصانة التي تؤهلنا لندمغ مجتمعات وثقافات ومجاميع بشرية وأعراقا بتهم معلبة وجاهزة.

ليس هذا جلداً مفرطاً للذات، ولكنها مراجعة ضرورية لأساليب التربية، وبناء منظومة القيم.

فبعد أن كبرنا، وانفتحت حدود العالم أمامنا، اكتشفنا أنه ليس كل (الأجانب)، كما كنا نسميهم، هم مجتمعات منحلّة وبلا قيم وبلا ترابط عائلي أو اجتماعي، فهناك مجتمع أسري متماسك وهناك ريف وفلاحون، وهناك قيم وهناك مبادئ وهناك تربية وأمهات وقصص ما قبل النوم، وهناك ثقافة وفنون وحضارات.. غيرنا في هذا العالم!

وأن هذه العجوز الشقراء السائحة وسط البلد، والتي نلحقها بفضول أحمق كمن ينظر لفصيلة غريبة من الطيور، هي أم أو جدّة لها بيت وعائلة وألبوم صور، وتتشاجر مع زوجها، وتطبخ الفاصولياء كأمهاتنا!

والذين لا يشبهوننا ليسوا أعداءنا.. لمجرد أنهم كذلك!

علينا ربما أن نعيد النظر في تربية أبنائنا ليفهموا أن ثمة آخر (لا أعني هنا الآخر النقيض أو العدو) يمكن التفاهم معه، والانخراط معه في شراكة إنسانية تتوخى إصلاح العالم وتجميله وجعله أكثر احتمالاً!

وأنه ليس عدواً لمجرد أن دينه يختلف، أو أنه من عِرق (أجنبي) أو أنه من مجتمع أكثر انفتاحاً.

عموماً، وعلى الأغلب، أنه حيثما سمعتَ صوت صراخ الأخلاق يرتفعُ على باب البيت فادخل سريعاً لتتفقد الجريمة التي تحدث في الداخل!

المقال السابق للكاتب

غسان زقطان.. الشاعر نجا مرَّتين!

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock