صحافة عبرية

شريك إسرائيل في الاتفاق

هآرتس

تسفي برئيل

لو كانت الظروف مختلفة لاستطاعت إسرائيل أن تجري تفاوضا مباشرا مع الوفد الفلسطيني لأنه يرأسه عزام الأحمد رجل فتح وممثل محمود عباس الذي ليست لإسرائيل أي مشكلة في أن تنسق الهدنة معه. وكان ممثلو حماس والجهاد الإسلامي يستطيعون الانضمام إلى الاجتماعات المشتركة كما انضم وفد منظمة التحرير الفلسطينية بالضبط إلى الوفد الأردني في مؤتمر مدريد في سنة 1991 وفي المحادثات في واشنطن بعد ذلك. ولو كانت الظروف مختلفة لاستطاعت اسرائيل أن تقرر أن محادِثتها هي الحكومة الفلسطينية الموحدة التي تمثل مواقف حماس وسائر المنظمات التي وقعت على اتفاق المصالحة الفلسطينية.
لكن إصرار اسرائيل على أن ترى الحكومة الفلسطينية “كيانا إرهابيا” أو “حكومة حماسية” على الأقل سجنها، وليست هذه أول مرة، في تفاوض مع حماس والجهاد الاسلامي خاصة مع دفع عباس الى موقع متفرج لا حق له في التوقيع على اتفاق إذا تم إحرازه.
والنتيجة هي أن صورة إدارة التفاوض ونتائجه وإن لم تحرز حماس وشريكاتها كل مطلوبها، تعزز مكانة حماس بصفتها ربة البيت في غزة، وقد تُخلد كون القطاع أرضا منفصلة عن الضفة. وهذه في الحقيقة هي الاستراتيجية التي التزمت بها اسرائيل في ثماني سنوات حكم حماس لغزة، كي تستطيع أن تزعم أن عباس لا يمثل جزأي فلسطين، وأن كل اتفاق معه لذلك سيبقي التهديد الامني على حاله. والمفارقة المنطقية هي أن هذه الاستراتيجية سببت ثلاث جولات قتال في غزة وعشرات المواجهات العسكرية وقعت بينها.
ينبع من هنا ايضا الاصرار الاسرائيلي على النظر الى التفاوض الذي يجري الآن في غزة أنه تفاوض مع حماس لا مع منتدبة فلسطينية موحدة. ولذلك حينما تعرض حماس مطالب جوهرية مثل فتح المعابر وتجديد الصلة البرية بين الضفة والقطاع وتعمير القطاع  وانشاء ميناء، تعاملها اسرائيل على أنها مطالب لحماس لا مطالب فلسطينية مناسبة تؤيدها دول كثيرة في العالم منها مصر ايضا.
والنتيجة هي أن هذه المطالب يشتمل عليها ميزان الربح والخسارة لعملية “الجرف الصامد” بحيث تُرى كل استجابة لواحدة منها خسارة لاسرائيل ونصرا لحماس. وهذا هو القطب الذي تدور عليه الآن المحادثات في القاهرة. تطمح اسرائيل الى عرض انتصار برفض مطالب حماس في حين أن الهدف المصري هو احراز هدنة بأدنى ثمن تدفعه مصر، أما السلطة الفلسطينية فتعتبر كيانا غير موجود كل عملها اجرائي.
إن تعليق المحادثات بالهدنة ومطالب اسرائيل في مجال الرقابة على ادخال مواد البناء والمال لتعمير غزة، والمعارضة المبدئية لانشاء ميناء وطلب نزع سلاح القطاع، عرّفتها مصر بأنها “مواضيع تتعلق باتفاق سلام لا باتفاق هدنة”. ووجهت مصر كلامها الى حماس لأن مصر كإسرائيل ايضا تسعى الى اتفاق مرحلي عملي فوري مع منظمة لا مع السلطة الفلسطينية.
وإن موافقتها ايضا على فتح معبر رفح بشرط أن يوضع فيه رجال الحكومة الفلسطينية هي جزء من ذلك الشأن. فهي ترمي الى تصغير انجازات حماس ومنعها من أن تفرض عليها شروطا لا تريدها قد تُضعف من احتكارها الامور في الممر الى سيناء ومنه الى العالم كله، وأن تُبقي غزة منطقة مراقَبة محروسة مفصولة عن الضفة. وليس صدفة أن تتقاطع مصالح مصر واسرائيل لأنهما تنظران الى حماس نظرة متشابهة. لكن مصر بخلاف اسرائيل ترى الحكومة الفلسطينية الموحدة جسما ذا مسؤولية هي مستعدة أن تعتمد عليه في السيطرة على المعبر وادارة تعمير غزة.
ومصر في مقابلة اسرائيل كسبت من المعركة. فقد كانت أول من وضعت على الطاولة اقتراحا محددا، وقد أبعدت قطر وتركيا وستُدخل السعودية الى اللعبة، وهي تملك نصيبا كبيرا من مستقبل غزة. ولا يجب على مصر أن تحصي نقاط الربح والخسارة لأنها لن تكون الجهة التي يوجه اليها النقد حتى لو فشلت المفاوضات مع اسرائيل.
وهي تستطيع في كل لحظة تشاء أن تفتح معبر رفح وتنفس غضب غزة أو أن تستمر على سياستها القاسية كما كانت تفعل الى ما قبل الحرب. وليست مصر هي التي ستواجه الضغط الدولي لأن فتح معبر رفح مادة واحدة فقط في قائمة مطالب حماس، في حين أن سائر المطالب ولا سيما رفع الحصار، من مسؤولية اسرائيل.
سيستمر التفاوض بحسب التقدير اياما إن لم يكن أكثر. وهذه مدة حرجة ما زال يمكن استغلالها لتعظيم دور محمود عباس. ويمكن أن يكون المثال على ذلك طلب اسرائيل أن يوقع عباس لا خالد مشعل على الاتفاق في الجانب الفلسطيني وأن يكون ضمان تنفيذه فلسطينيا قبل كل شيء قبل إشراك جهات دولية أو عربية اخرى.
ونقول بالمناسبة إنه ليس من الواضح تماما هل تريد مصر أن توقع على اتفاق يلزمها أن تضمن سلوك حماس. لكنه كما يبدو اجراء التفاوض الآن يُشك كثيرا في أن تغير اسرائيل سياستها وتوافق على منح عباس دورا حقيقيا في المسؤولية عن الاتفاق. فأحسن لها كما يبدو أن توقع على اتفاق مع حماس لا يلزمها بتنازلات سياسية واستراتيجية كي لا تضطر الى أن تعترف بأن عباس زعيم وشريك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock