أفكار ومواقف

شعب مميز!

قلما نصادف في الشارع سيارة فاخرة لا تحمل رقما مميزا، لا يزيد على أربع خانات. لسنوات طويلة مضت، كان اقتناء رقم مميز يحتاج لواسطة من العيار الثقيل. لكن في الأعوام الأخيرة، أصبحت هكذا أرقام متاحة للبيع للجميع. وقبل أشهر، تهافت الكثيرون على عرض تقدمت به إدارة السير شمل مئات الأرقام الثلاثية والرباعية، مقابل 500 دينار للرقم الواحد.
يُنظر إلى المسألة من قبل البعض على أنها تجارة مربحة؛ إذ بمقدور صاحب الرقم الرباعي أن يبيعه بمبلغ أكبر بعد سنوات.
لكن الدافع الخفي وراء اقتناء الأرقام الصغيرة أو الكبيرة والمصفوفة من نفس الرقم مكررا خمس مرات، هو التميز عن عامة الناس. ثمة انطباع سائد بأن من يحمل رقما مميزا لن يتعرض للمساءلة من قبل رجال السير، وأن بوسعه التوقف أينما رغب. وهناك من يتصرف على هذا النحو بالفعل؛ فيركن سيارته في مواقف مخالفة، ويتجاوز من دون مرعاة للقانون. لكن ليس لدينا ما يثبت أن رجال السير يعاملون أصحاب الأرقام المميزة بشكل مميز عن الآخرين، لا بل هناك من يقول إن “الدوريات” تركز على مخالفات السيارات ذات اللوحات المميزة أكثر من غيرها.
قد لا يكون ذلك مهما بالنسبة للكثيرين؛ المخالفات أو سواها من العقوبات، المهم أن تميزه “محفوظ” برقم سيارته. وفي بعض الأحيان، تكون السيارات التي تحمل أرقاما صغيرة متواضعة في الموديل والنوعية مقارنة مع غيرها، لكن ما يهم أصحابها هو الرقم وليس السيارة.
تندرج خاصية الأرقام المميزة عند الأردنيين ضمن خانة الوجاهة الاجتماعية، ومؤخرا المكانة الاقتصادية. نادرا ما تجد رجل أعمال معتبرا لا تحمل سيارته رقما مميزا. أما بالنسبة لبعض الفئات المعنيّة بالوجاهة الاجتماعية، ففي كثير من الحالات يكون تمسكهم بالأرقام المميزة مجرد محاولة يائسة للتشبث بالتراتبية على سلم اجتماعي يدفع بهم للأسفل بحكم التحولات الهائلة في التركيبة الطبقية وتوزيع الثروات.
والحالة برمتها هى جزء أصيل من ثقافة الاستثناءات المغروسة في العقول؛ فالكثيرون يتمنون العودة إلى أيام زمان حين كانت الأرقام المميزة توزع على فئات النخبة دون غيرها، وتُمنح لهم كتكريم خاص يجعلهم فوق عامة الناس. لكن تعويم “المميز” كسر احتكار الأقلية، وعزز الشعور العام بأن الأردنيين هم بحق شعب مميز، خاصة مع الإقبال الكبير على اقتنائها، رغم شكوى الناس المستمرة من تدهور أوضاعهم المعيشية.
وفي شوارع العاصمة تحديدا، ينظر المرء حوله في الشارع ويرى سيلا من السيارات التي تحمل أرقاما مميزة، ويشك للوهلة الأولى أنه الوحيد “العادي” في صف طويل من المميزين، ويتساءل مع نفسه: هل تنتج عن متوالية الأرقام كل هذه الأعداد المميزة والمتجانسة؟
الأمر ليس كذلك بالطبع. لكن، ولأنها أرقام متميزة، تشد أنظارنا فلا ترى أعيننا غيرها، وهذا بالضبط ما يهدف إليه أصحاب الأرقام المميزة من اقتنائها، وإلا ما قيمة التميز إن لم يلحظه عموم الناس؟!

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock