أفكار ومواقف

شغب الملاعب

سائد كراجة

التعصب في الولاء الرياضي طبيعي، والروح الرياضية ليست سيدة الموقف، وتوقع الموضوعية بين جماهير الأندية الرياضية عبث، وعليه فإن ضربة الجزاء عند أي جمهور نادٍ هي تحيز من الحكم، وقرار الاتحاد مؤامرة على النادي وخطاب الإدارة الناعم المتحضر الذي يدعو للسلام متخاذل جبان، والروح الرياضية واللعب النظيف هو فقط أن يفوز نادينا..

هذه هي كرة القدم على نحو خاص وهذه شروطها، لا ضرر في أن يهرع لاعب لمساعدة لاعب خصم يسقط على الأرض وقد يصفق له جمهوره احتفاء بالروح الرياضية بعض الشيء ولكن الأكثر يصفق نكاية بالفريق الآخر «وإنو احنا حضاريين خاوه،،».

وفي طريق التعصب للنادي الرياضي يتم استدعاء كافة مبررات «خصومة» الآخر، الأصول والمنابت شمالا ووسطا وجنوبا، كراسي البلد و لفوفة البلد، وعلى مستوى العالم فإن التعصب الرياضي يستدعي خلاف الشيعة والسنة، والكاثوليك والبروتستانت، الإنجليز والإيرلنديين والقائمة تطول، الفريقان الأشهر حاليا هما ريال مدريد وبرشلونة، ومباريات «الكلاسيكو» بينهما تمثل صراعا قديما بين أكبر مدينتين في إسبانيا وما وراء الستار صراع سياسي قديم بين قومية إسبانية وقومية كتالونية، وأحيانا بين اليمين الذي يمثله ريال واليسار الذي يمثله برشلونة، في العالم العربي الصراع بين الأهلي والزمالك في مصر لا يخرج عن ذلك وفي حين أن الانتماء للزمالك والأهلي يَقْرُبُ من أن يكون «دينا مصريا» فإن خلفية الصراع الطبقي بين الناديين معروفة.

التطرف في التعصب للنادي والخروج على القانون بالاعتداء اللفظي أو المادي على الأرواح والممتلكات أيضا ظاهرة عالمية وهناك جماهير أندية تُمنع من دخول المباريات والمدن كالجمهور الإنجليزي الذي يتصف بالعنف عموما وبالاعتداء على الممتلكات والأشخاص. إن العنف « الرياضي» عنف عالمي بمعنى أنه لم تسلم منه أي دولة في أي قارة! ومؤخرا في إندونيسيا مات حوالي مائة وسبعون شخصًا وأصيب مائة وثمانون آخرون في مباراة واحدة!!

إذن فإن افتراض أن مشجعي نادي الوحدات والفيصلي كلهم فراشات وأن تكون الخصومة بينهما عزفا على الكمان أمر غير موضوعي ولا واقعي، ولكن هذا لا يمنع كل الدعوات إلى الالتزام بالروح الرياضية والتأكيد على عدم الخروج على القانون في تشجيع الأندية، وتبعا معاقبة من يخرج على القانون، ولكن من المهم أيضا الفهم الواقعي للظاهرة ومحاولة التغلب على الخروج عن القانون فيها أولا بقبولها باعتبارها واقعا، فإن الخصومة بين الناديين لم تمنع تاريخيا استمرار تعايش المجتمع ولم تمنع تزاوج الناس من بعضها ولا تعاملها مع بعضها تجاريا وإنسانيا ولم تكن هي سبب أي نزاع أهلي ولم تغير خط سير الأردنيين السياسي الطاغي باعتبار قضية فلسطين قضيتهم الأولى ولا هي منعت استمرار وقوف الدولة الأردنية مع القضية الفلسطينية، وثانيا بتطبيق القانون بعدالة وحياد على الجميع ومعاملة الجميع على وجه المساواة.

وبالحديث عن تطبيق وسيادة القانون فإن شغب الملاعب هو عَرَضٌ وليس هو المرض حيث إن السبب الحقيقي يكمن في ممارسات الدولة والحكومات المتعاقبة وإن السياسيات التي أدت إلى الانشقاقات السياسية والاقتصادية والإعلامية العامودية والأفقية في المجتمع لم تنشأ من الملاعب بل نشأت خارج الملاعب في غياب سيادة القانون وفي استبدال الدولة مفهوم المواطنة بمفهوم « الفئة الموالية» وسياسة الانحياز الفعلي والمادي والإعلامي بدل المساواة والحياد في تطبيق القانون.

إن أغلب جمهور الوحدات والفيصلي بخير وحماسهم الرياضي معقول وهم في أغلبهم يملكون الوعي للحفاظ على الأمن وسلامة الناس وممتلكاتهم وأرواحهم، وعلى أمن وسلامة البلد، وبعض الخارجين عن ذلك استثناءٌ يُثبت القاعدة، وهذه الفئة معروفة لأنديتهم والجهات الأمنية ويجب ملاحقتهم بصرامة وحياد ونجاعة وسرعة، ولكن يبقى هذا الجهد محاصرة موضعية للظاهرة وهو أمر مطلوب، والأندية مسؤولة عن متابعة من يصدر خطاب الكراهية باسمها، ولكن الصورة الأكبر والحل الأساسي عند الدولة وعند العقل السياسي الأردني وهو في أن يُحسَمَ الأمر على تبني دولة سيادة القانون وقف جميع أشكال التمييز والواسطة والمحسوبية وممارسة سيادة القانون على الناس جميعا دون تمييز وبحياد تام وسرعة في الإجراءات القضائية لمحاربة خطاب الكراهية. إن شغب الملاعب انعكاس نفسي وواقعي لغياب ظاهرة سيادة القانون والمساواة أمامه وعلاجها في أغلبه هو خارج الملاعب، عسى تفهم علينا جنابك!

المقال السابق للكاتب 

شبابية وليست شباب

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock