مكرم أحمد الطراونة

المقابلة التي أجراها جلالة الملك مع محطة cnn الأميركية مؤخرا تكاد تكون الأهم التي يمنحها لوسيلة إعلامية، وذلك لسببين، أولهما أنه تحدث فيها، ليس عن شأن أردني فحسب، بل عن مجمل أوضاع الإقليم بأكمله، والخطوات المطلوبة لترميم ما دمرته سنوات ما بعد الربيع العربي. والسبب الثاني يأتي من الشفافية العالية التي تحدث فيها جلالته، خصوصا عن مسألة اعتبرها شخصية وهي قضية الفتنة، والبعد الدستوري فيها، وعن صلاحيات الملك والعائلة وأدوارهم.
كون أحد الأطراف في هذه القضية كان الأمير حمزة، والذي هو شقيق الملك، فلربما كنا نتوقع أن الملك لن يخوض في هذه المسألة بالإعلام. لكن توقعنا لم يصح، وذلك أن الملك يعلم أن الشعب الأردني يريد دائما أن يكون على بينة تامة من جميع الحوادث، وأنه يريد أن يطمئن إلى أن بلده بخير ولا شيء يهدد أمنها، لذلك تحدث جلالته بكل شفافية ووضوح في هذا الأمر، واضعا النقاط على الحروف.
وعلى الرغم من أن الملك أكد أن لأفراد العائلة امتيازات يتمتعون بها، إلا أنه شدد أيضا أن هناك محددات صارمة تحكم أفعالهم وأقوالهم، وأنه لا يجوز لهم التعاطي بالسياسة التي هي محصورة بشخص الملك.
في ظل هذا التأكيد لا بد أن نعتبر أن أي محاولة لفرد من أفراد العائلة المالكة، غير الملك، الانخراط بأي فعل سياسي، هو أمر مرفوض دستوريا، وإن حدث فهو يفتح باب “البلبلة” التي ربما لا تكون في مصلحة الوطن، وتؤدي إلى تشويش في الرأي العام لا يخدم مصالحنا.
جميعنا يدرك الاحترام الكبير الذي يحظى به كل أفراد الأسرة الهاشمية، وبأنهم مقدرون لدى كل بيت أردني. غير أن هذا الاحترام لا يجوز له أن يتغاضى عن المصلحة الوطنية العليا التي ينبغي الالتفاف حولها، وتقديمها على ما سواها.
الملك، ورغم تعبيره عن صدمته الكبيرة بأحداث الفتنة، إلا أنه آثر أن يتعامل مع جزئية الأمير حمزة داخل العائلة، بينما تم تقديم المتورطين الرئيسيين فيها للقضاء الذي قال كلمته العادلة بحقهما، لتغلق الستارة على قضية جميعنا تمنينا لو أننا لم نشهدها.
لقد أشار جلالته إلى داء تعاني منه جميع دول العالم، وهو وجود شخصيات تستغل إحباط الناس ومخاوفهم المشروعة للدفع بأجنداتهم الخاصة وطموحاتهم، وقد عبر جلالته عن حزنه كون أحد هؤلاء كان أخوه. وذهب إلى أبعد من ذلك عند الحديث عن الأمراء الذين يحب رؤيتهم يتواصلون مع المجتمع، لكن بالنسبة للأمير حمزة، فقد كان لهذا التواصل طموحات شخصية، كان ينبغي لها ألا تظهر، خصوصا عند الادعاء بأن هموم الناس هو المحرك لهذا التواصل.
يستطيع خبراء الدستور والقانون الحديث عن البعد الدستوري في مقابلة الملك، أكثر مما يمكنني فعله على عجالة هنا، لكن التطرق إليها من قبل الملك كان بمثابة رسالة واضحة لا لبس بها موجهة للجميع؛ داخليا وخارجيا، بأنه ورغم وجود امتيازات لأفراد العائلة المالكة، لكنهم مقيدين بمحددات لا يمكن تجاوزها نتيجة للصفة التي يتمتعون بها، وأن الطموحات الشخصية، إن وجدت لدى أي فرد، فيجب أن تكون موجهة لخدمة الأردنيين بلا مواربة أو مشاعر مزيفة أو أجندات يتم العمل على تحقيقها بعيدا عن مصلحة الوطن والمواطن.
المقابلة مع CNN، ثرية جدا، ويمكن القول إن جلالته لم يترك أمرا في الإقليم، أو تهديدا للسلم إلا وتحدث عنه بوضوح. كل هذا يهمنا كأردنيين نعيش في إقليم مضطرب، لكن أكثر ما يهمنا هو أن نتأكد تلاشي أي تهديد لمملكتنا الحبيبة، سواء كان التهديد من البعيدين، أو من القريبين.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock