أفكار ومواقف

شكرا لترامب على الاستفتاء

ترامب شخص مفتون بحب نفسه، ويعتقد أنه عبقري لم يأت ولن يأتي الزمان بمثله، وعلى الجميع أن يمجدوه ويصفقوا ويرقصوا حوله، مع أنه في الحقيقة شخص أحمق، ومتردد، ومتلون، ويعتبره عدد من علماء النفس معتوها أو مختلا، وأخيرا رئيسا غير شرعي كما قال كارتر في تعليق له عليه.
وفي اعتقادي أنه مجنون فعلا ولكن بجنون العظمة، وعلامة جنونه صفقة القرن التي يعتقد أنه بها سينهي أو يلغي قضية فلسطين وصراعا مريرا عمره أكثر من مائة سنة حولها، وأن غلاما يهوديا صهيونيا إسرائيليا مثل كوشنر سيهيئ له الميدان لذلك، وعلى غرار ما كان يقوم له به عميله “الفكسر” (Fixer) أي الأزعر مايكل كوهين في مشاريعه وصفقاته.
هكذا يعتقد، ولأنه يعتقد أن قضية فلسطين بهذه البساطة فهو مجنون، ولكنه لا يدرك ذلك لأن المرتزقة من حوله وفي قاعدته من أشكاله، يصفقون له. وتزيد أميته الثقافية والسياسية وجهله في التاريخ من جنونه، فهو قلما يقرأ حتى التقارير التي ترد إليه من الوزارات والدوائر الحساسة لأنه يعتقد أنه مكتف ثقافيا وسياسيا ما دام مكتفيا ماليا وعقاريا فلا يحتاج إليها. وعليه فإنه لا يطيق قراءة أكثر من سطر أو سطرين وإلا انفجر دماغه أو غفا ونام. لو كان مثقفا ودارسا للتاريخ وحتى للقريب جدا منه، لعرف أن جميع من سبقه من الرؤساء فشلوا في تحقيق تسوية تنهي القضية، لأنهم كانوا في كل مرة يتجاوزون الحق الفلسطيني التاريخي في فلسطين، لصالح الغزاة القادمين من وراء البحار، وأنه على الرّغم من اعتراف أولئك الرؤساء بجزء من هذا الحق (فلسطين 1967) إلا أنهم عجزوا عن تطويع هذا الشعب المقاوم والمنكوب بالاغتصاب والحصار والمنافي، لقبول عروضهم، وعن نزع مفاتيح بيوتهم المغتصبة من أيدي أبنائه وبناته. ولكن ترامب المصاب بجنون العظمة يعتقد أنه يستطيع ما لم تستطعه الأوائل.
أما الدليل على أن ترامب سيفشل في صفقته، أنه بالإضافة إلى رفض الشعب الفلسطيني والشعوب العربية لها، ففشله المدوي في صفقته لإلغاء نظام التأمين الصحي الذي وضعه أوباما، وفي عقد صفقة مدوية مع كوريا الشمالية، وأخيرا فشله في تركيع الصين بحربه التجارية ضدها.
ولأنه يخدع نفسه، ولا يصدق أنه سيفشل في صفقة القرن، فقد واصل السير في الموضوع، بعقد مؤتمر البحرين ولكن المؤتمر فشل فشلا تاما وفاضحا بمقاطعة الشعب الفلسطيني له، وإن جاء كاستفتاء للشارع الفلسطيني والعربي من قضية فلسطين، فقد تم رفض هذا الشارع له بقوة وبعين حمراء. كما أفاد المفكر والمحلل السياسي العميق د. حسن البراري في مقالته الدقيقة والرشيقة في جريدة الغد بعنوان: جرد حساب؟ (29/6/2016).
لقد رفض هذا الشارع الأبي المؤتمر ولفظه بالمظاهرات والمسيرات والكتابات والتعليقات والقصائد والأشعار والأغاني.. وفي البحرين نفسها -حيث عقد المؤتمر- رفع الناس الأعلام الفلسطينية على بيوتهم نكاية به، وقاموا بغسل المكان الذي وطئه صحفي إسرائيلي متباه بالحضور، بالماء لإزالة النجاسة عنه.
لقد أماط ترامب بمؤتمره وصفقته اللثام عن فلسطينية الضمير العربي المستتر وأنه لم يمت، وأنه ملتزم على نحو لا يلين بعدالة القضية، وأنه لا مساومة على ذلك. وقد أخرج ترامب هذا الضمير إلى العلن فشكرا له على هذا الاستفتاء.
لقد أكد هذا الاستفتاء الذي ارتد على صاحبه انّ الجدول الإسرائيلي الصناعي الغربي ومهما بلغ من القوة لن يستطيع ابتلاع البحيرة الفلسطينية الطبيعية، أو المحيط العربي بعدها إن قدر عليها.
لقد تحولت الصفقة – مبكرا – إلى صفعة على الوجه الذي لا يستحي.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock