أفكار ومواقف

شهادات جامعية بثمن بخس

قرار مؤلم ذلك الذي اتخذته كل من الكويت وقطر، والذي يقضي بتخفيض عدد الجامعات المعتمدة لدى البلدين لدراسة طلابهما. ولكنّ السؤال الذي ينبغي أنْ نطرحَه على أنفسنا: ألم يكن هذا الأمر متوقَعا في ظل انحدار جودة التعليم في الجامعات الأردنية؟.
خلال سنوات ماضية، نبّه أكاديميون وخبراء تعليم من أننا نسير في طريق غير واضحة المعلم بالنسبة للتعليم برمته، وشددوا على أننا نحتاج لثورة تصحيحية في هذا السياق. لكنّ المؤسسة الرسمية صمّت أُذنَيها عن كل هذا الكلام، وصولا إلى الحال الذي نحن عليه اليوم، من ضعف برامج ومخرجات، وأيضا من هشاشة البنية المالية للجامعات الرسمية، والتي لم تستطع أن تبني أي نوع من الاستدامة في هذا المضمار، لتبقى موازناتها خالية، أو تعاني العجوزات، وبالتالي لتعتمد نهجا “تجاريا” بحتا في التعامل مع الطلبة.
الحال المزري الذي وصل إليه التعليم في بلدنا، سببُه سلبيتُنا وتخاذُلنا، وتغاضينا عن قصد أو بغير قصد عن قضايا كانت بالنسبة لنا هويةَ وطن وعنوان تقدمه ورفعته وشموخه، ولولاه لما وجدتَ مئات آلاف الأردنيين يتم استقطابهم للعمل في الخارج نتيجة إمكانياتهم العلمية قبل العملية.
التعليم العالي، وصروح تعليمية تكاد تتهاوى بلمحة بصر، ويتم كشف عيوبنا على الملأ من دول أمنتنا على أبنائها وأرسلتهم للدراسة في الأردن، وقد أنفقتْ عليهم آلاف الدنانير آملة أن يعودوا إليها خريجين وقد نهلوا معرفةً يُستفاد منها ويمكن استثمارها، بدلا من العودة وهم يجرون الجهل بعد أن حصلوا على شهادات جامعية بثمن بخس.
السياسات التعليمية غير الحصيفة التي لم يتوقف عندها كثيرون، والإدارة السيئة لملف التعليم برمته، كانت واضحة للعيان، ومع ذلك تم التغاضي عنها والسماح لغير الكفوئين أن يتسلموا دفة التوجيه فيها، ونمنا في العسل ونحن نتغنى بالأمجاد القديمة للتعليم الأردني، وبأننا منارة العلم في المنطقة، غافلين عن تقدم الآخرين، الذين تخطونا بعد أن أصابنا الخمولُ والترهلُ.
الكويتُ التي سارعت إلى استبعاد جامعات أردنية من قائمة الجامعات التي تعترف بها، تتحدث صراحة وتلميحا عن امتيازات كانت تمنح لأبنائها الطلبة، وتشير إلى أن وقع ذلك بالنسبة لها خطير. إنها محقة، فهي تريد أن يخضعَ طلبُتها إلى تعليمٍ أردنيٍ طالما تميّز بالجودة والانضباطية والالتزام والمَعرفة، فيما كانت بعض جامعاتنا تنظر إليهم نظرتها إلى “جرة الذهب”.
امتيازات كانت تُقدم للطلبة العرب، دراسة بأقل جهد، وبأوقات تنسّق مسبقا مع الطلبة أنفسهم، وتسهيل دوامهم بالجامعات من خلال الدوام المكثف والـ”ويك إند”، إلى جانب استثناءات منحها التعليم العالي لتلك الجامعات من حيث شروط القبول للوافدين من ناحية المعدلات والتخصصات. يا لنا من كرماء!!.
نظام التعليم الموازي الذي أوجدناه من أجل التحصيل المالي لجامعات تعاني من أوضاع مالية مزمنة وديون مرتفعة جراء نفقات عالية لا تقوى على توفيرها الإيرادات التي تحصل عليها. ورغم أن الوزير الحالي كان يعتبره غير دستوري، لكنه لم يحرك البوصلة تجاهه حتى الآن، مرورا بنوعية مجالس الأمناء التي يجب أن تكون حكرا على الأكاديميين، بعيدا عن المجاملة والمحاباة، فالأكاديميون، وبعض الخبرات القليلة الأخرى، هم وحدهم من يستطيعون التخطيط لتنظيم التعليم وتطويره.
التعليم الأردني ليس سلعة، ولا تخضع جودتُه وسمعتُه لأمزجة وأطماع من يستمتع عند سماع صوت رنين الأموال، والمغامرةُ به مغامرةٌ بوطن بأكمله، لذا يجب أن لا يمر الموقفان؛ الكويتي والقطري مرور الكرام، ولا بد من لجنة تحقيق تنجز مهمتها بأسرع وقت، بدلا من الإدلاء بتصريحات لا يمكن فهرستها إلا في باب “الاستهلاك” المحلي.. فالذين اختبروا تعليمنا “الجديد” فضحوا جميعَ ما يشتملُ عليه من تهافتٍ وضعفٍ.. وتجارةٍ.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock