أخبار محليةالغد الاردني

شهيد القدس رمز الكرامة والتضحية

  • عبدالله توفيق كنعان

تابعت كغيري من أبناء الوطن والأمّة ما تناقلته وسائل الإعلام من مشاهد جليلة لمراسم دفن جثمان شهيد معركة تل الذخيرة. منظر مهيب عندما حمله جنود الجيش العربي على أكتافهم يرافقهم الوفد الأردني العسكري وفاعليات حكومية وشعبية فلسطينية ومقدسية. وأنا أشاهد ذلك أجدني ألمح في وجوههم العبرات والمعاني السامية وهم يسيرون بالشهيد ليدفن في مقبرة الأسباط وتحديداً الجزء المعروف منها باسم “مقبرة الشهداء”، وفوراً تبادر عندها إلى ذهني الكثير من العبارات والمشاعر، أولها عمق العلاقة التاريخية المجيدة الوثيقة بين فلسطين والقدس والجيش العربي الأردني، وكذلك عمق الوحدة التاريخية الروحية بين الأردن وفلسطين التي لا يمكن لأحد تجاوزها، فما من مدينة وقرية وبادية أردنية إلا ومنها شهيد أو جريح على ثرى فلسطين والقدس، وما تزال أرض فلسطين الطاهرة تحدثنا في كل حين عن الكثير منهم، ولو بعد عقود طويلة من استشهادهم رحمهم الله.
موقف عظيم جاشت به النفس بكل مشاعر الحب والعشق التي اعتملت في النفوس نحو أرض فلسطين والقدس وهوائها ونسيمها وأهلها كل ذلك منذ اللحظات الأولى للعثور على جثمان الشهيد البطل، في معارك حي الشيخ جراح بالقرب من بوابات المسجد الأقصى. هذه الأبواب والمواقع المقدسة التي خبرها مع رفاقه في معارك العزة والإقدام، وخلد معهم تاريخا نقتبس منه كل لحظة إرادة الأحرار، تاريخ أصيل وكأنني أشاهد تفاصيله بدقة اليوم.
كل هذه المشاهد جعلتني وغيري نلمس لحظتها عظمة بوح الشهداء الطاهر النقي، فأثناء حفر الاحتلال الإسرائيلي للبنية التحتية لمشروع القطار الخفيف الاستيطاني، الذي يسعون من خلاله إلى تهويد وطمس الهوية العربية لمدينة القدس وقطع جسدها الواحد بجعلها مناطق جغرافية معزولة والسيطرة الكاملة عليها بقوانين وتشريعات عنصرية منها مؤخراً (قانون تسوية العقارات وتسجيل الأراضي) الذي سيفعل السيطرة على ما يسمى زوراً أملاك الغائبين، ولكن جاء الرد عليهم من شهيدنا بأننا ما زلنا نحميها ونؤكد لكم أيها الغزاة بأن هويتها عربية وبأن ثراها هو دم وتاريخ عربي أصيل لا يمكنكم أيها المستعمرون البغيضون تغييره، ففي كل شبر من أرض فلسطين والقدس شهيد وشجر وحجر وهواء يقول أنا مدينة عربية وسأبقى رغم “بلفور” و “سايكس بيكو” والنكبات والنكسات، وسأنهض لكم في كل حين ولحظة فإني باق وأنتم زائلون بإذن الله، فوجودكم مخالف للشرعية الدولية وللأخلاق والأعراف الإنسانية التي تنبذ الظلم وتزدري الظُلاّم، وستبقى الأجيال تلعن ظلمكم وبربريتكم، وسوف تثور فيها براكين الغضب وتشتعل في صدورهم حرارة الشوق والإرادة إلى الحرية، فلن ينفع جلاديهم المحتلين قوة البطش، ولن يكون لهم سلام بالقوة والكراهية، فالسلام لا يصنعه إلا أصحاب الحقوق لحقهم التاريخي في أرضهم ومقدساتهم.
إن معاني الشهادة عظيمة ورسائل الشهداء إلى الأحياء دائمة لا تنقطع، تصديقاً لقوله تعالى ((وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ))، فحياتهم تبعث فينا الكرامة والمعنويات العالية والصمود والتمسك بالحق رغم التحديات، فسلام إلى الشهداء الذين قدموا أرواحهم وسالت دماؤهم على أرض فلسطين والقدس، منذ مئات السنين فسلام لشهداء حطين واليرموك والكرامة وغيرها من وقائع الفداء والتضحية، وسلام على الشريف الحسين رحمه الله من ضحّى بملكه من أجل فلسطين، ومن بعده الراحل الملك الشهيد عبدالله الأول شهيد الأقصى وفلسطين، وعلى خطاه الراحل الملك الحسين بن طلال ومعه سمو الأمير الحسن بن طلال الذي لم تفارق فلسطين والقدس عقلهم وقلبهم، وألف تحية لصاحب الوصاية الهاشمية جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين من سيبقى يدافع ويدعم ويساند الأهل في فلسطين والقدس لتعود حقوقهم وتقوم دولتهم الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية على حدود العام 1967م، وتحية إجلال وإكبار إلى الشهداء والأسرى والمعتقلين من الرجال والنساء والأطفال وإلى أهلنا الصامدين المرابطين في فلسطين والقدس أمام احتلال وحشي لا يحترم أي قانون أو مبادئ، فكما رحل الغزاة من الرومان والفرس والفرنجة وغيرهم سيرحل الاستعمار الصهيوني البربري عنها.
ما أعظم الشهداء ففي غيابهم حياة لنا وفي تاريخهم مجد لنا، سنبقى نتعلم منهم دروس العزة، فإلى رحمة الله يا شهيد تلّة الذخيرة ورفاقك من سبقوك ورافقوك ولحقوك، لقد صدقتم العهد فأكرمكم الله على صدقكم الخلود.

  • أمين عام اللجنة الملكية لشؤون القدس
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock