توقّع المخبوء والتكهّن بالمستقبل، فكرة غالباً ما كانت تستهوي الناس، وتحديداً النساء!


لذلك كان لـ”البصّارة” مقعدها المرحّب به، والمحتفى به على نحو خاص؛ سواء لتقرأ فنجان القهوة، أو لتتبع خطوط الكف وترجمة انحناءاتها وتلوّياتها إلى مشروع زواج لصبية ضجرت من وحدتها، أو ولادة طفل ذكر لامرأة لم تنجب منذ أعوام!


لكن الأكثر جديّة غالباً ما كانوا يستهينون بثرثرات البصارات ويهتمّون أكثر بـ”الأبراج”؛ فهي إلى حدّ ما أكثر رصانة، وأكثر إقناعاً لأنها على علاقة وثيقة بعلمٍ مهم؛ هو علم”الفلك”.


وقد انتشر الولع بـ”الأبراج” بين الناس، حتى صار عادة لصيقة بالكثيرين والكثيرات؛ بل إن البعض ينتظر قراءتها أحياناً لتحديد برنامجهم اليومي!


الفضائيات بدورها استغلت هذا الشغف فاهتمت باستقطاب المختصين والخبراء لقراءة طالع المشاهدين، وصار بإمكان المرأة المتوجسة شراً من أمر ما أن تتصل بالتلفزيون لتعرف ما الذي يحيكه زوجها ضدها في الخفاء!


صارت “الأبراج” ضرورية للناس ليعرفوا أصدقاءهم أكثر، والمرأة الآن قبل أن تسأل صديقتها الجديدة عن اسمها تسألها عن برجها؛ فتتحمس لها إن كان برجها مواتياً وصديقاً لبرجها، وتنفر منها إن كان برجها لا ينسجم معها!


وإن أعجبت صبية برجل سألته بعد تردّد ومع ابتسامة مشجعة عن برجه، وبعد أن يجيبها غالباً ما تعلق بكلمة صارت مألوفة:”توقّعت”!


“توقّعت” هي إجابة الكثيرين الآن، وهي تدل على خبرة ما صار يتمتع بها الناس في علم الأبراج، وهي خبرات نسبية ومتفاوتة؛ فبعضهم يعرف حقاً، وآخرون قليلاً، وبعضهم يجامل فيقول: برجك حلو… بينسجم مع الكل!


ثقافة الأبراج تزدهر أكثر كلما ساءت أحوال الناس وصاروا يبحثون عن فرص أجمل في مقبل الأيام، أو كلما تلّبس اليأس أرواحهم فتعلقوا بـ “قشة الأمل”!


والأبراج ليست دائماً دقيقة أو علمية ومدروسة، فالبعض ممّن يُعدّها للصحف أو للتلفزيونات يلجأ لمراجع وكتب لاستطلاع الفلك والمواقيت، ويكون للأمر حينها “مصداقية” من نوع ما!


لكن البعض الأغلب يستعين بالحل السهل؛ وهو نشر أبراج نشرت قبل ذلك عشرات بل مئات المرات في الصحف أو المجلات القديمة؛ فلا تعود لها أية قيمة، لكنها ترضي الفضول أو تثير الفرح أو تجلب الحزن والخشية!


ومن باب الطرافة أكشف لكم سرّا؛ فمرة في إحدى الصحف التي عملت فيها وكان زميلي في المكتب الملاصق يعد زاوية الأبراج؛ وكنت أراه يومياً يقصّها من مجلات قديمة وأحياناً حديثة، فالناس تنسى بسرعة، على رأيه، وأحيانا من باب الاحتياط يخلط التوقّعات فيقصّ ما كان مكتوباً لـ”الحمل” ويلصقه لـ”الميزان” أو ينقل ما كان متوقعاً  لـ”السرطان” ويضعه لـ”القوس”!


ليست هنا الطرافة في الأمر؛ لكن الطرافة في أنني كنت أسارع صباح اليوم التالي لقراءة برجي بلهفة وشوق! كأنما لم أطّلع البارحة كيف أعدّ صديقي زاويته!


ذلك أن رغبة الناس بأي شيء جديد يكسر الرتابة، وحلمهم بأي تغيير في أوضاعهم، يجعلهم دائما تواقين لسماع أو قراءة أي كلمة تعدهم ولو مجرد وعد بأن القادم أجمل!


بعض الناس صاروا يملكون القدرة على أن يعرفوا أبراج مَن هم امامهم، من خلال تصرفاتهم أو سلوكاتهم أو حتى نظراتهم.


والنساء العاشقات هن أفضل من يفعلن ذلك؛ تهديهن القلوب الوالهة!

تعليق واحد

  1. ماذا نفعل بالنجوم ؟؟
    النساء العاشقات قلت ماذا؟؟ تهديهن القلوب الوالهة ؟؟ لتعلم يا كاتب المقال اللطيف أن المرأة التي تعشق بحق فان قلبها يهديها للاثني عشر برجا دفعة واحدة .. تحبه لأنه متمرد و حنون و صفيق و مهذب و جميل و معبثر و
    متكبر و صغير و كل الصفات التي تجأ اليها بضعفها تجاه العطش الذي لا يرتوي أبدا..صدقنى لو كانت تتمنى (حوتا) حساسا و مرهفا و فنانا ثم اصطدمت ب (ثور)
    نطاح ذباح .. وأحبته و التهى فؤادها الولهان بعشقه, فانها ستنقلب الى أي برج يتساقط من بين صفحات كتب المنجمين و ستفعل المستحيل لتكون حملا أو ذئبا أو حتى غبارالطلع .. المهم أن تتلاءم مع برج حبيبها بنسبة تسعين بالمائة على أقل تقدير .. لطموحها !
    النساء العاشقات يا صديقي لا ينجمن .. انهن يتناولن النجوم من السماء ليضعنها في أحضانكم !!

  2. مقالة حلوه
    مقالة حلوه
    أنا بصراحة من قارئي الأبراج…. وأعرف كيف أفتح بأوراق التاروت…

    ورغم أنني لا أصدق أن أي أحد يستطيع قراءة المستقبل ولكن أنا من المؤمنين أن التفاؤل يجذب ألحظ السعيد….

    وهذا هو الهدف من الأبراج…. أليس كذلك؟

  3. التقليد الأعمى …….
    كذب المنجمون ولو صدقوا ..

    كيف يكون للنجم او كوكب موجود في السماء له علاقة بيومياتنا وحياتنا وعلاقاتنا الاجتماعية والمهنية … هذا يمثل قاع الابتذال والتقليد الأعمى للوثنيين المشركين الذين يوقنون بان الكوكب او الجرم السماوي له قوة جبارة عليهم .. هيهات هيهات

    الكون بيد الله .. ان شئت جعلت يومك سعيد او ان شئت جعلت يومك تعيسا ….

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock