رأي في حياتنا

“شيك أوت”

ابتسمت بلا عناء موظّفة الاستقبال في الفندق متعدد النجمات، الذي يطلُّ على البحر الأبيض، وخاطبتني بالودِّ الذي أشعر في كلِّ مرة أنّه خاص بي دون سائر النزلاء: “مسيو”. لم يعد إذن يلزمني اسمي، فقد بقي محفوظاً بمقاطعه الفائضة في الصفحة الأولى من جواز السفر، في الخزنة. ولتمييزي عن سائر النزلاء ممّن أعطتهم وداً أقل، منحَتْني رقماً مركّباً من ثلاث خانات: واحدة للطابق، وأخرى للغرفة، وفي المنتصف صفر مشترك، كالودّ!
“شيك إن”، إلى دَلالٍ مبرمج اصطحَبَتْني إليه فتاة بتهذيب فرنسي مدروس. هُنا، وصرتُ أتبع كفّها البيضاء بلا ذهب: حوض دائريّ للاسترخاء والنسيان، “ميني بار” اختيرت زجاجاته لحالات الفرح السريع، قائمة غربية للطعام واقتراحات شرقيّة، سرير مزدوج، هواء بارد بلا مصدر واضح، أوامر ورقيّة للهدوء، تلفزيون يجمع جهات الأرض، وانترنت مفتوح الذراعين، وهُنا، مشيتُ وراء كفِّ الذهب الأبيض: شرفة بيروتيّة على بحر.. وحبّ محتمل!
كلُّ شيءٍ كان في متناول يدي القصيرة. سلة فاكهة استوائية، وقهوة إيطالية مبكرة في الصباح قبل وصول “مرسال المراسيل”، وقهوة تركية تأتيني برفقة صحيفة “النهار”، خادمة أفريقية تطرق الباب بأدب آسيوي، وتذكّرني بمواعيد “الجيم”، و”الجاكوزي”، والعشاء في المطعم اليابانيّ. أحاول أن أتذمّر من خطأ لا يحدث في الماء الساخن أو البارد. يرنُّ هاتف الغرفة، فيسألني صوت ذكوري رقيق إنْ كان كل شيء على ما يرام. وهو كذلك، لكنّي، مثل مُحدثي النعمة، أطلبُ ماء فاتراً!
عشر ليال كنتُ بمحاذاة سابع نجمة، وإنْ نزلتُ إلى “اللوبي” أمشي كالموظف الأمميّ رفيع المستوى تحت عناقيد الأضواء البيضاء، وإن رفعتُ إصبعاً لحكّ أرنبة أنفي، يقترب ثلاثة موظفين، يسألني أسرعهم إنْ كنتُ أحتاج “أيّ شيء”، “ولا شيء” يحتاجه رجلٌ “رفيع المستوى”، يجلسُ أمام حوض السباحة لتعلم التأمُّل: مائة وخمسون دولاراً في اليوم تجعلني سلطاناً عثمانياً، وقيصراً بيزنطياً، ووزيراً لشؤون “أيّ شيء”، أفكّر في طلب القهوة فتأتيني “سادة”، وأنا على لسان النادل الأشقر “السيّد”، أشربُها ولا أخلع النظارة الشمسية.. كما يفعل زعيم في أول الحكم.
عدتُ إلى غرفتي التي من رقمين مميّزين، وصفر مشترك، بعد متع كثيرة في نهار المدينة ونصف ليلها. استلقيتُ على السرير المزدوج، الأبيض بلا شائبة، المكويِّ كبحيرة تحت شمس أفريقية. كان ينبغي أنْ أفكّر في متع النهار الحادي عشر، لكنّ فكرة سوداء تسلّلت إلى رأسي الخفيف، وأثقلته بالخيال: فهُنا قبل عشر ليال ربّما، وعلى هذا السرير، مات رجل بجرعة زائدة في حبّ الحياة، لم يُكتشف الأمر سوى في ظهيرة اليوم التالي، عندما دخلت الخادمة الأفريقية بأدب آسيوي، لتبديل الشراشف البيضاء، التي استُعْمِلت كفناً، من قبل العمّال الغلاظ. حملوا الجثة إلى باب خلفيّ، وقبل الثانية ظهراً، استلمتُ المفتاح بالرقمين المميّزين، والصفر المشترك.
طلبْتُ موظفة الاستقبال، وأخبرتها أنّي سأجري “شيك أوت” الآن. استفسرتْ إنْ كان أمراً ما قد أزعجني، أجبتها: قلق وجودي.

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock