السلايدر الرئيسيترجمات

شينجيانغ الصينية: دولة مراقبة لا مثيل لها في العالم

بيرنارد زاند – (ديرشبيغل) 26/7/2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

في أقصى غرب الصين، تستخدم بكين أحدث الوسائل المتاحة للسيطرة على الأقلية الإيغورية المسلمة. وقد اختفى عشرات الآلاف في معسكرات إعادة التثقيف. هذه رحلة إلى منطقة صامتة إلى حد مرعب.
* * *
هذه الأيام، تبدو مدينة كاشغار في أقصى غرب الصين شبيهة بعض الشيء ببغداد بعد الحرب. صوت صفارات الإنذار المعولة يملأ الهواء، والشاحنات المسلحة تذرع الشوارع، والطائرات المقاتلة تهدر فوق المدينة. الفنادق القليلة التي ما تزال تستضيف العدد القليل من السياح محاطة بجدران خرسانية عالية. ويوجه رجال الشرطة، بالسترات الواقية من الرصاص والخوذات، حركة المرور بإيماءات متسلطة جارفة، ويصرخون أحياناً بالذين لا يمتثلون.
لكن هدوءاً شبحياً يخيم، بين الفينة والأخرى، على المدينة. بعد الظهر مباشرة، عندما يحين وقت صلاة الجمعة، تكون الساحة أمام مسجد “إد كاه” الكبير خاوية. ما من مؤذن يشق صوته الهواء، وإنما مجرد همس خافت يُسمع في المرات النادرة التي يعبر فيها أحد جهاز الكشف عن المعادن في المدخل المفضي إلى المسجد. وتشرف العشرات من كاميرات المراقبة على الساحة. ويقوم رجال الأمن، بعضهم بالزي الرسمي وآخرون متخفّون بملابس مدنية، بجولات في “المدينة القديمة” خلسة، وكأنما يحاولون قراءة ما في عقول الناس.
وليس الصحفيون حصينين من انتباههم. بمجرد أن وصلنا، يصر اثنان من رجال الشرطة على الجلوس معنا “لنتحدث”. ثم، في اليوم التالي في فندقنا، يخرج أحدهما من غرفة في طابقنا نفسه. وعندما نتجول في المدينة في الصباح، يتعقبنا عدد من رجال الأمن بالملابس المدنية. وفي نهاية المطاف، يتعقبنا ثمانية أشخاص وثلاث سيارات، بما فيها هوندا سوداء بلوحات أرقام مغطاة –يبدو أنها من ملاك الشرطة السرية. ومن حين لآخر، يبدو كما لو أن مراقبينا تركونا لشأننا، وإنما لتكون في انتظارنا مسبقاً عند التقاطع التالي كاميرات المراقبة التي تصل إلى كل وآخر ركن من أركان مدينة كاشغار الداخلية. وفي اللحظة التي نتحدث فيها مع أي شخص، يظهر الموظفون الرسميون ويشرعون في استجوابه.
قبل مضيّ طويل وقت، سوف يستجوبوننا نحن أيضاً. ثم المزيد من ذلك لاحقاً. ولكن، في حين أن السلطات في شينجيانغ تمارس رقابة لصيقة على الصحفيين الأجانب، فإن يقظتها على هذا النحو لا تُقارن باضطهادها للسكان الإيغوريين.
ما من مكان في العالم، ولا حتى كوريا الشمالية، يُراقَب فيه السكان بالصرامة التي يراقَبون بها في منطقة شيجيانغ الإيغورية المتمتعة بالحكم الذاتي، وهي منطقة تبلغ مساحتها أربعة أضعاف مساحة ألمانيا وتتقاسم الحدود مع ثماني دول، بما فيها باكستان، وأفغانستان، وطاجيكستان وكازاخستان.
كان هذا القمع قائماً على مدى أربع سنوات، لكنه ازداد سوءاً بشكل كبير في الأشهر الأخيرة. وهو يستهدف بشكل أساسي الأقلية الإيغورية، الجماعة العرقية التركية التي يبلغ تعدادها نحو 10 ملايين من المسلمين السُّنة الذين تعتبرهم بكين عقبة أمام تطوير “مجتمع متناغم”. وقد عملت مجموعة من الهجمات التي شارك فيها متشددون إيغوريون على تعزيز هذا الاعتقاد فحسب.
ينظر الإيغوريون إلى أنفسهم كأقلية تواجه تمييزاً ثقافياً ودينياً واقتصادياً. وعندما تم ضم شينجيانغ إلى جمهورية الصين الشعبية في العام 1949، كانوا يشكلون نحو 80 في المائة من سكان المنطقة. وعملت الهجرة الموجهة للصينيين من عرق الهان إلى شينجيانغ على تقليل حصة الإيغوريين إلى 45 في المائة، وهؤلاء المهاجرون الهان هم الذين يستفيدون بشكل أساسي من الطفرة الاقتصادية في المنطقة التي تتمتع بوفرة من النفط والغاز والفحم.
مع احتجاج الإيغوريين، شددت بكين قبضتها وحولت شينجيانغ إلى دولة أمنية متطرفة، حتى بالمعايير الصينية نفسها، باعتبارها دولة بوليسية في ذاتها. ووفقاً لأدريان زينز، الخبير الألماني في شؤون شينجيانغ، فقد جندت الحكومة 90.000 رجل شرطة في المنطقة في السنتين الأخيرتين وحدهما –ضعف عدد الذين جندتهم في السنوات السبع السابقة مجتمعة. ومع تخصيص نحو 500 رجل شرطة لكل 100.000 من السكان، سوف يصبح التواجد الشرَطي في القريب محكماً مثلما هو في منطقة التبت المجاورة.
في الوقت نفسه، تزود بكين المحافظة الغربية القصية بأحدث تقنيات المراقبة، حيث الكاميرات تضيء كل شارع في كل أنحاء المنطقة، من العاصمة أورومتشي إلى أبعد قرية جبلية. وتُستخدم الماسحات الضوئية ومتحسسات الـ”واي-فاي” في كل محطة ومطار، وفي كل واحدة من نقاط التفتيش المزروعة في كل مكان –وهي أدوات وبرامج تسمح بمراقبة حركة البيانات في الشبكات اللاسلكية.

وبعد ذلك، تقوم بجمع البيانات “منصة عمليات متكاملة مشتركة”، والتي تقوم أيضاً بتخزين المزيد من المعلومات عن السكان –من عادات المستهلك إلى النشاط المصرفي، والوضع الصحي، وفي الحقيقة ملف الحمض النووي (DNA) لكل واحد من سكان شينجيانغ.
يمكن اعتقال أي شخص لديه مسار بيانات مشتبه به. وقد بنت الحكومة شبكة من مئات معسكرات إعاة التثقيف. واختفى عشرات الآلاف من الناس فيها في الأشهر الأخيرة. ويقدر زينز عدد هؤلاء بأنه أقرب إلى مئات الآلاف. ومن الصعب الحصول على أرقام أكثر دقة. وتمتاز الرقابة في شينجيانغ بأنها الأكثر صرامة وسلطاتها الأكثر غموضاً.
لكن ثمة انطباعاً مميزاً يتشكل بعد رحلة في هذه المناطق والمحادثات العديدة مع سكانها، الذين يريدون جميعاً أن يظلوا مجهولي الأسماء. لقد أصبحت شينجيانغ، الأكثر بعداً وتخلفاً بين أقاليم الصين المزدهرة، بمثابة ديستوبيا واقعية. وهي تعرض لمحة عما يمكن أن يفعله نظام استبدادي متسلح بتكنولوجيا القرن الحادي والعشرين.
أورومتشي: الشرطة، وقادة الأحياء، والمخبرون
بناطحات سحابها فائقة الحداثة، تشكل عاصمة شينجيانغ موطناً لسكان يبلغ عددهم نحو 3.5 مليون نسمة، 75 في المائة منهم من عرِق الهان. ويشكل الإيغوريون أكبر أقلية في المنطقة. ويعيش هنا أيضاً كازاخيون ومنغول ومسلمون من شعب الهوي الناطقون بالصينية. وتقول شاخصة على مشارف الطريق الدائري متعدد المسارات في أورومتشي: “كل الجماعات العرقية تنتمي إلى هنا وتتعانق مثل بذور الرمان”.
يقول صيني من الهان كان يعمل مع الجيش: “الحقيقة هي أنك لا تستطيع أن تثق بالإيغوريين. إنهم يتصرفون كأصدقاء لك، لكنهم متماسكون مع بعضهم البعض فقط في الحقيقة”.
كان انعدام الثقة بين هاتين الجماعتين العرقيتين في ازدياد لعقود. وفي العام 2009، انفجرت التوترات في شينجيانغ وأودت بحياة نحو 200 شخص. وكان معظم القتلى من الصينيين الهان. وفي العام 2014، قتل متشددون إيغوريون بالسكاكين 31 شخصاً في كومينغ. وبعد أشهر قليلة لاحقاً، اندفعت سيارتان إلى سوق في شارع مزدحم في أورومتشي، وقتلتا العشرات. وقد انخفض عدد الهجمات الكبيرة منذ ذلك الحين، لكن الشائعات وفيرة بين الصينيين الهان عن وقوع حوادث خطيرة متكررة في جنوب شينجيانغ، لكنها تذهب من دون نشر الأخبار عنها.
في مسعى لرؤية الهدوء وهو يعود إلى المنطقة، جلبت بكين المتشدد تشن كوانجو، رئيس الحزب في التبت، وعينته مسؤولاً في شينجيانغ. وفي غضون عامين، طبق نفس السياسة التي كان قد طبقها في التبت وأقام مراكز للشرطة في كل أنحاء المنطقة. وتتوزع هذه المباني التي تشبه المخابئ المحصنة والمحروسة بكثافة على كل تقاطع طرق في المدن الرئيسية.
كما أقام تشن أيضاً نظام قادة للأحياء لا يختلف عن نظام “حُراس الأحياء” الألماني القديم، حيث يُمنح أعضاء من اللجنة المحلية للحزب الشيوعي صلاحيات لتفتيش منازل العائلات واستجوابها عن شؤونها الحياتية: من يعيش هنا؟ مَن جاء للزيارة؟ ما الذي تحدثتم عنه؟ وحتى هؤلاء المسيطرين يخضعون هم أنفسهم للسيطرة: توجد في بيوت العديد من العائلات ملصقات “باركود” مثبة على الجانب الداخلي من الباب الخارجي، والتي يجب أن يمسحها المسؤول ببطاقته ليثبت أنه/ أنها قاموا بالزيارة.
لتحسين السيطرة الاجتماعية، يُطلب من الجيران الآن الإبلاغ عن بعضهم البعض. ويقول رجل أعمال من أورومتشي: “جاؤوا إليّ في بداية العام. وقالوا: أنت وجارك مسؤولان الآن كلُّ عن الآخر. إذا فعل أيٌّ منكما أي شيء غير عادي، سوف يُعتبر الآخر مسؤولاً”. ويقول رجل الأعمال أنه يحب البلد؛ “لكنني أرفض أن أتجسس على جاري”.
كان سلف تشن قد علق آماله على النهوض الاقتصادي في شينجيانغ، كما يقول سائق يعيش أيضاً في أورومتشي بينما يشير إلى ناطحات السحاب وسط المدينة. وقد أمل بأنه كلما أصبح السكان مرتاحين اقتصادياً، كلما أصبحت المنطقة أكثر أمناً. “لم يعد أحد يصدق ذلك الآن. الاقتصاد يستمر في النمو، لكن الأولوية الأولى الآن هي القمع”.
توربان: واجب تكثيف الأمن
على بعد ساعتين بالسيارة إلى الجنوب من أورومتشي تقع المدينة/ الواحة توربان، الواقعة تاريخياً مباشرة على طريق الحرير. وعلى مر القرون، بنيت المعابد والمساجد هنا على يد الصينيين، والفرس، والإيغور، والبوذيين، والمانيين والمسلمين. وهي أيضاً منطقة لزراعة الكرمة ومكان مناسب للصلاة والتأمل. وبعد الواحة توجد آثار مدينتين قديمتين. ويعرض متحف حديث كبير وسط المدينة تاريخهما. لكن على كل مَن يدخل أن يظهر بطاقة هوية، وهناك سياج من الأسلاك الشائكة في الخارج. وتراقب دزينة من كاميرات المراقبة المتنزة المحيط، الذي يضم بركة وملعباً.
يرتدي حرس الأمن في المتحف الخوذات والسترات الواقية من الرصاص. وإلى جوار ماسحات تفتيش الأمتعة في المدخل ثمة دروع واقية لتستخدمها الشرطة للسيطرة على الحشود. و”يمكن شراؤها كلها”، كما يقول مساعد في متجر المتحف. “في الجانب الآخر من الشارع”.
في الحقيقة، يوجد متجر يبيع معدات الأمن مقابل المتحف مباشرة: خوذات وحِراب، وإلكترونيات مراقبة، و12 حزمة من الهراوات، وفوق كل شيء، سترات واقية. “300 يوان للواحدة”، كما يقول البائع. ويعادل هذا 40 يورو. “لكنها تساعد فقط ضد إصابات الطعن. لدينا سترات واقية من الرصاص أيضاً، لكنها أغلى بكثير. هل لديكم الأوراق”؟
الغرض من كل هذه المعدات هو أن يستخدمها أفراد الأمن الذين يحرسون المتاجر والمطاعم والمتاحف والمشافي والفنادق. ومشغلو هذه الأماكن ملزمون بتكثيف الإجراءات الأمنية. ويقول مدير فندق في توربان، وهو يحمل ورقة مختومة: “جاءتنا الآن توجيهات جديدة”. ويجب أن يُظهر نزلاء الفندق بطاقات الهوية عند تسجيل الوصول وفي كل مرة يعودون فيها إليه –مهما كان تكرار المغادرة والعودة. كما يجب توظيف المزيد من كوادر الأمن. ولا تهدف هذه الإجراءات الأمنية المشددة في شينجيانغ إلى جعل المنطقة مكاناً أكثر أمناً فحسب، وإنما أيضاً إلى خلق فرص العمل.
ويقول إيغوري بغضب مكبوت بينما يمر بواحدة من مراكز الشرطة الجديدة: “هناك 30 رجلاً في كل حصن. ثلاثون رجلاً، 30 وجبة إفطار، 30 وجبة غداء، 30 وجبة عشاء. كل يوم. من أجل ماذا؟ من الذي يدفع لكل شيء”؟
هوتان: “الجميع أُرسِلوا إلى المدرسة”
تقع هوتان، المدينة التي يسكنها 300.000 نسمة، على الحافة الجنوبية الغربية لصحراء تاكلامكان. وكانت الهجمات العنيفة مألوفة هناك، ولذلك تنتشر الرقابة الكثيفة بشكل خاص.
عندما زات “ديرشبيغل” هوتان في العام 2014، كان ما يزال بالإمكان مقابلة رجل يمكن أن يخبرنا عن الإجراءات القاسية التي تتخذها الحكومة الصينية في البلدات المحيطة. لكن مثل هذه المقابلة لم تعد واردة على الإطلاق اليوم، كما أخبرنا الرجل الذي نعرفه هناك من خلال تطبيق للرسائل. بل إنه ليس من الممكن الانتقال بالسيارة من بلدة إلى أخرى من دون الحصول على تصريح مكتوب، ناهيك عن الاجتماع بأجنبي. ويكتب الرجل: “ربما في غضون بضع سنين”. ويضيف: “احذف هذه المحادثة من هاتفك على الفور. احذف كل شيء يمكن أن يكون مشبوهاً”.
ثمة مركز تسوق حديث عند حافة المدينة، ولو أن واحداً بالكاد من كل خمسة متاجر ما يزال مفتوحاً فيه. وقد تم إغلاق الأخريات مؤخراً باعتباره”تدابير للأمن والاستقرار”، وفقاً للأختام الرسمية الملصقة على الأبواب. ويقول أحد العابرين بصوت خافت بينما يتلفت حوله: “لقد تم إرسال الجميع إلى المدرسة”.
الآن، أصبح تعبير “Qu xuexi” الذي يعني الذهاب أو الإرسال للدراسة، واحداً من الأكثر العبارات استخداماً في شينجيانغ هذه الأيام. وهو تعبير ملطف عن أخذك بحيث لا يعود أحد يراك أو يسمع منك بعد ذلك. و”المدارس” هي مراكز إعادة التثقيف التي يتم فيها إجبار المعتقلين على تلقي دروس في الوطنية الصينية، من دون أي اتهام أو إجراءات قضائية أو محاكمة عادلة.
وقد تحدث أكثر من نصف الناس الذين التقيناهم على الطريق خلال رحلتنا عن أفراد من العائلة أو معارف “أُرسِلوا إلى المدرسة”. وتحدث أحد السواقين في هاتون عن جده الذي عمره 72 عاماً. وأخبرنا شخص من أورومتشي عن أستاذ ابنته في الجامعة. وتحدث أحد ركاب الطائرة عن أحد أصدقائه.
تتباين القصص، لكنها تنطوي كلها على تشابهات مهمة؛ معظم الناس المتأثرين هم من الذكور. وعادة ما تحدث الاعتقالات في الليل أو في الصباح الباكر. وتشمل الأسباب التي تُذكر للاعتقال وجود صلات في الخارج، أو القيام بالكثير من الزيارات إلى المسجد، أو وجود محتوى محظور على الهاتف المحمول أو الحاسوب. وعادة ما لا يسمع أقارب هؤلاء الموقوفين منهم لأشهر. وعندما يتمكنون من رؤيتهم مرة أخرى، فإن ذلك لا يكون أبداً وجهاً لوجه وإنما عبر بث بالفيديو من منطقة زوار السجن.
خلال محادثة مع بائع سجاد في السوق في هوتان، تظهر امرأة في فستان قصير وتنضم إلى الحديث. وتقول إنها تعمل في مكتب مجاور، وأنها اليوم في إجازة. وتعرض ترجمة المحادثة مع البائع من الإيغورية إلى الصينية. كلا، ستقول لنا لاحقاً بينما تتجول في السوق شبه الفارغ، إن إغلاق المتاجر ليست له علاقة بمعسكرات إعادة التثقيف. “لقد تم إرسال العمال لتلقي التعليم التقني”، تقول لنا، ثم تودع بأدب.
بعد بضع ساعات، نصل إلى محطة القطار من أجل رحلة الخمسائة كيلو متر (311 ميلاً) إلى كاشغار. والمحطة محروسة مثل قاعدة عسكرية. ويجب أن يمر المسافرون عبر ثلاث نقاط تفتيش والعشرات من كاميرات المراقبة حتى يصلوا إلى منصة الانطلاق.
“آه”، تقول مفتشة التذاكر لزميل بينما نستعلم عن مقاعدنا. “هذا هو الصحفي الأجنبي”. والقطار ممتلئ تقريباً بمئات المسافرين الذين على متنه. وعلى بعد بضع مقصورات، ألاحظ لاحقاً المرأة صاحبة الفستان القصير التي عرضت خدماتها كمترجمة في السوق.
كاشغار: “صور مثيرة للحساسية”
تستغرق رحلة القطار إلى كاشغار ست ساعات وتمر بالمزيد من البلدات/ الواحات والمستوطنات، التي تترادف أسماؤها مع مقاومة الإيغور في الصين: مويو، بيشان، شاتشي، شولي. وكل محطات القطار محاطة بنقاط التفتيش وأسيجة الأسلاك الشائكة. وعندما يتوقف القطار عند إحدى المنصات، عادة ما يرافق منسق حركة القطارات شرطي يحمل هراوة أو مسدساً.
عمر كاشغار أكثر من 2.000 عام. وكانت واحدة من أهم المحطات على طريق الحرير القديم. وكان بوسع الزوار ذات مرة أن يشاهدوا واحدة من تلك المدن الإسلامية المحفوظة أفضل ما يكون في آسيا الوسطة، والتي تتكون كلها تقريباً من البيوت الطينية. لكن الحكومة هدمت معظم تلك المباني القديمة وأقامت حيّاً سياحياً حديثاً بدلاً منها.
على النقيض من أورومتشي وتوربان، فإن معظم سيارات الأجرة في كاشغار مزودة بكاميرتين؛ واحدة موجهة نحو الراكب في الأمام بينما تشير الأخرى إلى أولئك في المقعد الخلفي. ويقول أحد السائقين: “تم فرض هذه قبل أكثر من سنة. الكاميرات متصلة مباشرة بالأمن العام. وهم يشغلونها ويطفئونها متى يشاؤون. ليس لنا أي تأثير”.
البحث الصحفي الطبيعي في كاشغار هو شيء لا يمكن تصوره. لا أحد يريد أن يتحدث. ولم يرُدَّ ناشط لحقوق الإنسان كنا قد التقيناه قبل أربع سنوات ولا على رسالة واحدة من رسائلنا النصية. ولم يعد رقم هاتفه مدرجاً. وكما علمنا لاحقاً، فإنه اختفى قبل أشهر. أما إذا كان قد ألقي به في واحد من معسكرات إعادة التثقيف أو في السجن، فليس معروفاً بعد.
ثم يظهر رجال الشرطة من بداية هذه القصة مرة أخرى، ولا يتركوننا نغيب عن أنظارهم.
ثمة بعض الدراما التي تحدث بينما نشتري المشمش من متجر للفواكه. نتحدث إلى امرأة جالسة تقرأ كتاباً. وهو كتاب في اللغة -تتعلم المرأة التحدث بالصينية. ففي جنون شينجيانغ، يتحدث القليل من الإيغوريين فوق سن العشرين الصينية بشكل جيد.
نتبادل بضع كلمات فقط مع المرأة، ولكن بينما نغادر المتجر، يدخل ثلاثة من “مرافقينا”، بمن فيهم امرأة بسترة حمراء، إلى المتجر ويواجهونها. أعود وأبد بتصوير المشهد بكاميرا هاتفي، فيوقف موظفو الحكومة المتفاجئون المحادثة، ويتظاهرون بأنهم يتسوقون ويخفون وجوههم.
بعد ساعة لاحقاً، يقترب منا ضابط شرطة محاط بعدة مسؤولين حكوميين، والمرأة صاحبة المعطف الأحمر من بينهم. إنها سائحة، كما يزعم المسؤولون، وقد علمت للتو أنه تم تصويرها من دون إذنها. ووفقاً للقانون الصيني، يجب حذف هذه الصور. ويصحبنا الضابط إلى مركز للشرطة، حيث يقوم بمصادرة الهاتف، ولا يحذف المقطع من محل الفواكه فقط، وإنما كل المقاطع الأخرى التي يمكن فيها تمييز “مرافقينا” الحكوميين. ويحذرنا أحد المسؤولين من التقاط المزيد من هذه “الصور المثيرة للحساسية”. ثُم يسمح لنا بعد ذلك بالانصراف.
تستخدم البنية التحتية للمراقبة في كاشغار أحدث التقنيات على الإطلاق، لكن الحكومة الصينية تعمل مسبقاً على المستوى التالي من السيطرة. وهي تريد تطبيق “نظام ائتمان اجتماعي”، والذي سيصنف “مصداقية” كل مواطن، من أجل مكافأة الولاء ومعاقبة السلوك السيء. وفي حين كان إطلاق هذا النظام المعقد في الشرق المكتظ بالسكان متقطعاً وبطيئاً، فإن الإيغوريين خاضعون مسبقاً لنظام مماثل قائم على احتساب النقاط. ويتضمن هذا النظام بشكل أساسي تفصيلات يمكن أن تكون مثيرة لاهتمام الشرطة.
تبدأ كل عائلة برصيد 100 نقطة، كما يخبرنا أحد الأشخاص المتأثرين بالنظام. لكن أي شخص له اتصالات أو أقارب في الخارج، خاصة في البلدان الإسلامية مثل تركيا ومصر وماليزيا، يعاقَب بفقدان النقاط. ويكون الشخص الذي لديه نقاط أقل من 60 في خطر. ويمكن أن تكون كلمة واحدة، أو صلاة، أو مكالمة هاتفية واحدة شيئاً كثيراً جداً، ويمكن أن ترسل صاحبها إلى “المدرسة” على الفور.

*نشر هذا التحقيق تحت عنوان: China’s Xinjiang Province: A Surveillance State Unlike Any the World Has Ever Seen

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock