أفكار ومواقف

صالونات الموسيقا.. نوادي البهجة

علاء الدين أبو زينة

يعيش الناس في بلادنا أوقاتاً صعبة. ثمة هذا المزيج الضاغط من الشعور بالهزيمة، وضبابية الحاضر والمستقبل، وضيق الحيز، وقيود وباء شرس يعطل الحياة.

لكن الحياة دائماً أقوى من الموت، ولذلك يتكاثر الناس ولا ينقرضون.

وهناك الذين يحاولون اجتراح طرق لجعل الحياة أكثر تلويناً واختلاس وقت مستقطع من العنَت واستراحات محارب.

وأي شيء أكثر سلمية وإنسانية وصفاءً وتفريغاً للانفعالات من الغناء والموسيقا؟

في مصر «صالونات» يهيئ فيها موسيقيون من الهواة والمحترفين مثل هذه «المغادرات» من الدوام المتواصل في اليوميات.

وهم لا يعزفون وحدهم، وإنما يستضيفون بعض الباحثين عن فسحة للاستماع إلى الموسيقى وتطهير أنفسهم بالغناء.

وفي الأصل، لم تكن هذه الصالونات مسارح، وإنما شققاً صغيرة فيها «صالون» يتسع ربما لعشرين شخصاً أو نحو ذلك.

ولا يبدو أن الحضور يدفعون شيئاً -أو ربما فقط ثمن كوب شاي أو فنجان قهوة.

ثمة العازفون يستمتعون بمجرد العزف معاً، وبالفرح الذي يمنحونه للجمهور المتفاعِل.

أحد هذه الصالونات، الذي توجد بعض من أنشطته على «يوتيوب»، هو «صالون المنارة الثقافي الفني».

وقد أسسه رجل أعمال مصري محب للموسيقا، ويقود فرقته الموسيقة لواء متقاعد عاشق للموسيقا، عازف الكمان محمد معوض.

وإضافة إلى العازفين الدائمين، يستضيف الصالون باستمرار فنانين آخرين مميزين على آلاتهم، مثل عازف الكمان البارع الحاج سعد محمد حسن (رحل عن الدنيا في العام 2018)، وعازف الأورغ مجدي الحسيني، وعازف الأوكورديون فاروق محمد حسن، وغيرهم الكثير.

كما يستضيف الصالون مطربين ومطربات شبابا، غالباً من مواهب دار الأوبرا المصرية.

ولا تُعرض في الصالون سوى الموسيقا والأغنيات التي ميزت مصر في زمن الفن الجميل.

وتقام «الحفلات» مرتين في الأسبوع من السابعة مساءً إلى منتصف الليل. ويشارك الحضور في الغناء بصوت واحد.

لدى مشاهدة البهجة في هذا الصالون، يتمنى المرء لو أتيحت له فرصة الحضور. هناك، لا يلزم أن تكون مطرباً حتى تغني.

وسوف يشجعك الغناء الجماعي والمناخ الساحر الودي على المشاركة بلا تردد، ويتحدث إليك الموسيقيون ويمزحون ويتفاعلون كما في أي جلسة في منزل صديق.

وهناك في مصر صالونات أخرى من النوع نفسه، لا يتسع المجال لذكرها.

وثمة تجربة أخرى شبيهة هي «نادي هيَ» Club Ele، الذي أسسته الفنانة التونسية، عازفة البيانو والأورغ التونسية، رحمة بن عفانة.

مع كل المصاعب التي تعيشها تونس الشقيقة في السنوات الأخيرة، جمعت هذه الفنانة نساءً من كل الأعمار والخلفيات، وإنما الراغبات في مراوغة ضغوط الحياة وصنع البهجة.

وتقول رحمة في أحد اللقاءات، إن جمال الصوت ليس ضمن شروط الانضمام إلى النادي، ولكن الشرط الأهم هو حب الفن، وأن تتمتع المشارِكة بشخصية مبهجة محبة للحياة.

تقول سيدة خمسينية وموظفة متقاعدة مشاركة في النادي: «منذ أن انضممت إلى نادي غناء يضم عشرات السيدات والفتيات أشعر أن حياتي تغيّرت. أنتظر أسبوعياً موعد حصة الغناء التي تعطيني شحنة طاقة كاملة أواصل بها بقية أيام الأسبوع.

عندما كنت صغيرة، منعتني عائلتي من الغناء بحجة أنه معيب وقد يلهيني عن الدراسة.

النادي أعطاني فرصة البروز والغناء في حفلات كبيرة أمام جمهور غفير، كما أنه صقل بعضاً من مواهبي في الموسيقا.

النادي ملأ وقتي، خصوصاً أن أبنائي كبروا، كما كوّنت صداقات رائعة من خلال مشاركتي في هذا النادي الذي وفّر فرصة التلاقي وإمضاء أوقات لطيفة».

وليست لنادي البهجة هذا فرقة موسيقية، وإنما آلة أورغ فقط تستخدم الفنانة رحمة أصواتها وإيقاعاتها.

وبذلك، لا يحتاج الأمر إلى أكثر من مكان وآلة أورغ، وحب البهجة والحياة. ولا يُقتصر الأمر على السعادة التي تعيشها المشاركات في النادي، وإنما هناك السعادة التي تشيعها هؤلاء النساء في الجمهور الذي يحضر عروضهن في تونس وفي الكثير من الدول التي يسافرن إليها.

وتغني المشاركات بانطلاق واندماج ملفت أغنيات من كل الوطن العربي الكبير، في عبور جميل للحدود وعرض لوحدة التراث العربي الفني. ودائماً ما تُعدي هؤلاء النساء مشاهديهن بالبهجة الخالصة التي ينثرنها بسخاء فريد.

تستحق صالونات الموسيقا ونوادي البهجة هذه الوجود في كل مكان. ثمة حاجة إلى مكان يغني فيه المرء بحرية، في علاج نفسي مستحق، وقليل الكلفة.

المقال السابق للكاتب

تسجيل التطريز الفلسطيني في العالم

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock