آخر الأخبار حياتناالسلايدر الرئيسيحياتنا

“صانع محتوى”.. مصطلح فضفاض يجمع المفيدين بالعابثين

تغريد السعايدة

وجوه جديدة، وألسنة تتحدث بالغث والسمين، توجه خطابها للجمهور القابع خلف شاشات الهواتف الذكية، يجذب البعض ذلك المحتوى الذي لا يقدم فائدة تذكر، بينما آخرون يتحدثون بكل احترافية وارتجال ويقدمون محتوى ذا قيمة، ليخرج من العالم الرقمي شخص يصنف بـ”صانع محتوى” حقيقي.

صانع المحتوى، ذلك المصطلح الفضفاض الذي بات يطلق على أشخاص كثر يتواجدون في ساحات السوشال ميديا ساعات طويلة بحثاً عن متابعين ومعجبين يهدونهم مئات الآلاف من “اللايكات”، في مقابل تقديم مقاطع فيديو، قصيرة أو طويلة، لا فرق، إلا أنها قد تكون خارجة عن المألوف نوعاً ما، بالمقابل يحصل هؤلاء الأشخاص على “شهرة، وأرباح، ولقب صانعي محتوى”.

هي ساحة لم تعد افتراضية فقط، بعد أن أصبح “المشاهير” فيها ينافسون مشاهير الفنون والرياضة والثقافة، بل والسياسة كذلك، في الوقت الذي تضاعف فيه عدد مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي تقريبًا من 2.31 مليار في العام 2016 إلى 4.20 مليار في العام 2021، وفق التقرير العام الرقمي العالمي للعام 2021، وهناك ما يقرب من 4.2 مليار مستخدم نشط لوسائل التواصل الاجتماعي حول العالم.

وتبين هذه النتائج كذلك أن هناك ما يقارب 53.6 % من سكان العالم يستخدمون منصة وسائط اجتماعية واحدة على الأقل؛ إذ بينت نتائج تلك الأرقام أن الزيادة في استخدام تلك المواقع تعود إلى الانتشار الواسع للهواتف المحمولة لأن “ما يقرب من 4.15 مليار مستخدم يستخدمون الهواتف المحمولة للوصول إلى منصات”، بحسب الدراسة.

وما إن يبدأ رواد مواقع التواصل الاجتماعي بالتصفح، حتى يخرج لهم الكثيرون من خلال “البث المباشر” والتحدث لساعات طويلة في تفاصيل قد لا تكون ذات معنى وفائدة، ومنهم من يقوم فقط ببث تفاصيل حياته اليومية، بالرغم من أنه يعد شخصية “عادية” لا يتخصص بأي مجال، ولكن وجد في الفائدة “المادية” لبعض المنصات طريقاً للكسب كما في “تيك تيك”.

ويبحث آخرون عن الشهرة فقط، والتي تمهد لهم الطريق للكسب فيما بعد، وهو ما يحدث للكثير من الأفراد الذين كان محتواهم “بسيطا”، ولكنهم باتوا الآن ضمن قائمة المشاهير والوجوه الإعلانية للكثير من المنشآت أو المنتجات اليومية.

وهناك فئة لديها بالفعل محتوى مهم وجاد وهادف ويحمل قيمة كبيرة، وتقدم معلومات أو أحاديث معرفية أو علمية وثقافية، والكثير من الحوارات والمقاطع التي تحوي معلومات تهم الشخص، وأحياناً محتوى “ترفيهي” بامتياز.

ولكن، قد يتفاجأ البعض بأن شخصا غير متخصص في أي مجال يتم تسميته على أنه “صانع محتوى”، ليتساءل كثيرون “أي محتوى ومن صنفه كذلك”، وهنا شبه الخبير والمختص والمدرب في مجال شبكات الإعلام الاجتماعي خالد الأحمد المحتوى المقدم للجمهور على أنه “حصان طروادة الرقمي”، الذي دخل إلى البيوت والعقول وأصبح جزءا من تفاصيل الحياة على السوشال ميديا، وينقسم إلى “توثيق لمجريات حياة الشخص، أو محتوى ترفيهي، أو تعليمي وغيره”.

ويعتقد الأحمد أن المحتوى التعليمي يجذب جمهورا محدودا مهتما بهذا الاختصاص، بيد أن المحتوى الترفيهي يجذب فئات أكثر، ولكن ليس من الضرورة أن يكون هؤلاء المتابعون معجبين، بل قد يكون جزء كبير منهم فضوليا أكثر من أن يكون معجبا، مشيراً إلى أن من يقوم ببث يومياته يراه كثيرون “صانع محتوى”، وآخرون يرونه ليس صاحب محتوى قيم.

الأحمد يُعرف “صانع المحتوى” بأنه “الشخص الملتزم بنشر محتوى بشكل دوري”، ولكن ما يمكن طرحه كتساؤل هو “ما تعريف صانع المحتوى؟”، متسائلا “هل يوجد فرق بين من يقدم محتوى (يوميات فقط)، وبين مغني أغان شعبية على سبيل المثال؟”؛ إذ إن كليهما لديه جمهور كبير جعل منهم “مشاهير وصناع محتوى”، ولكل محتوى جمهور.

هذا الشخص كان لديه القدرة على جذب انتباه الناس، وأصبح لديه قاعدة جماهيرية كبيرة “من معجبين وفضوليين”، وهذا بحد ذاته إثبات أن محتواه ذو أهمية “وليس بالضرورة قيّما” لبعض فئات الجمهور، بحسب الأحمد، وقد يختلف المنظور لذلك المحتوى من فئة لأخرى، وأطلق على الجمهور المحايد الذي لا يجد قيمة لذلك المحتوى على أنهم “لاجئون رقميون”، بينما المتابعون المعجبون والفضوليون هم “مواطنون رقميون”، وهذا يدفعنا إلى عدم الحكم على الأمور من المنظور ذاته، لوجود “عشوائيات في موضوع المحتوى وأنواعه وتسمياته”.

الباحث والخبير الإعلامي أستاذ الإعلام الدكتور تيسير أبو عرجة، يقول في حديثه لـ”الغد”، “إن الكثير من المهام الإعلامية أصبحت قائمة بفضل ثورة الإنترنت وتكنولوجيا الاتصال المتطورة التي سمحت للفرد العادي أن يكون قادراً على المشاركة في إنتاج المادة الإعلامية التي يريد، ضمن الإمكانيات التقنية التي تسمح له بذلك، ويستطيع بالتعلم والمهارة والتدريب”.

ويبين أبو عرجة أن الفرد يتمكن من إنتاج هذه المواد سواء من إعداد وكتابة وتصوير ومونتاج وتقديم، وبجهد فردي، ولكن التساؤلات التي تثار حول مستوى ما يتم تقديمه وطبيعة المضامين المقدمة والأسلوب الذي تقدم فيه، وما يهم المجتمع أن يشاهد أو يستمع إلى ما يفيده ويضع اليد على قضاياه الحيوية والمهمة.

ويسهم المجتمع كذلك في العملية الإعلامية النقدية بعيداً عن السطحية والإثارة وإضاعة الوقت، وفق أبو عرجة، ومن هنا يبرز الحديث عن صناعة المحتوى وأهمية موافقته للشروط المقبولة من المجتمع وما تسوده من قيم اجتماعية وإنسانية.

وعليه، فإن من يقومون بصناعة المحتوى الإعلامي معنيون بالعديد من الأسس، كما يبينها أبو عرجة، وأهمها “اختيار الأخبار المهمة التي تمتلك أسس النشر وتهم القاعدة الأكبر من الجمهور، وتقديم المعلومات السليمة والحرص على دقتها قبل التعليق والشرح”.

كما يجب على صانع المحتوى، بحسب أبو عرجة، أن يقدمه بطريقة وأداء خال من الإثارة واعتماد الأسلوب الإعلامي العقلاني في الطرح والمعالجة، والبعد عن الألفاظ التي يقصد بها الخروج عن المألوف، والحرص على خدمة المجتمع وحراسة القيم السائدة وممارسة النقد الاجتماعي بعيداً عن التجريح والإساءة.

هذه المعطيات الرقمية بكل تفاصيلها هي انعكاس للحياة الاجتماعية التي يعيش فيها العالم أجمع، ومن هنا، تؤكد الاختصاصية وخبيرة علم الاجتماع الدكتورة فاديا إبراهيم، أن الإنسان وجد على هذه الأرض ليتفاعل ويتواصل، ومنذ المجتمع البدائي الأول وصولاً الى الرقمي تعددت وسائل التواصل وتبادل الأفكار والمعلومات.

ولذلك، يظهر لكل زمن طرقه وأبطاله في صناعة المحتوى، كما تبين إبراهيم، وحتى متلقو المحتوى أيضاً تختلف اهتماماتهم وأذواقهم عبر الزمن، لكن ما يميز عصرنا الحالي كثرة الوسائل والتطبيقات الرقمية التي تسهل وتساعد على إنتاج محتويات كثيرة ومتنوعة وغزيرة، تختلف بين محتوى إخباري وتعليمي وترفيهي وفني وغذائي وصحي.. الخ، إضافة الى نشر نوع جديد من المحتوى لم يكن دارجا، وهو نشر lifestyle أو طريقة العيش.

من هذا المحتوى المنتشر، ترى إبراهيم أن البعض أصبحوا يطلقون على أنفسهم “صانعي محتوى” سواء بطريقة عرضهم سواء للطعام والشراب والملابس والسفر وكل “ما لا يخصنا كمتابعين”، وتفاصيل حياتهم اليومية، وهذا كان سبباً في حدوث أثر سلبي على نفسية وسلوكيات المتلقين من خلال المقارنة والحلم والابتعاد عن الواقعية، والنظرة المادية الاستهلاكية، ويسعى أصحاب هذا المحتوى من أجل الوصول للشهرة والمادة بغض النظر عن الفائدة والقيمة.

وتشدد إبراهيم على أن صناعة المحتوى أثرت بشكل جذري وكبير جداً في تغيير قيمنا وثقافتنا عبر التأثير في أفكار وسلوكيات الأجيال الجديدة فأصبحوا “رقميين بامتياز” بعيدين كل البعد عن قيم وثقافة الآباء والأجداد، وتحول جزء منهم لجيل “أكثر أنانية يهتم بتحقيق أهدافه بغض النظر عن المجتمع وقيمه ومبادئه ويهتمون بحياتهم الرقمية أكثر من اهتمامهم بحياتهم الاجتماعية، مع الانسلاخ عن الواقع وروح الجماعة والاتجاه نحو تحقيق المنافع الفردية بغض النظر عن المصلحة العامة”.

أيضاً، أصبح المجتمع أكثر استهلاكاً مما قبل بأضعاف، لأن الحياة الرقمية تعرض لنا منتجات وسلعا بأعداد وكميات هائلة لا يمكن حصرها نتيجة ظهور التسويق الالكتروني وما يحتوي من مغريات من خلال الصور والفيديو، وأيضاً عمل صناع المحتوى في مجال التسويق والإعلانات زاد من فرص إقبال أفراد المجتمع على الشراء والاستهلاك، فأصبح الكثيرون يشترون ما يلزم وما لا يلزم فقط لأن فلانا أو فلانة صانع أو صانعة محتوى يستخدمون هذا المنتج أو يروجون له، على حد تعبير إبراهيم.

وتتابع “ارتبطنا بالتكنولوجيا بشكل غريب وغير مفسر أكثر من ارتباطنا بالكثير من القيم الأخرى في حياتنا”، وأصبح التأثر واضحا بمؤثري مواقع التواصل الاجتماعي أكثر من التأثر بالمقربين من العائلة، فالقدوة لدى البعض في هذا الزمن شخصيات غريبة فيها “السطحي والمحدود الأفق”، من دون معرفة لمتى ستستمر هذه الثورة الرقمية وما نتائجها على مدارك وعقول ونفسية الأبناء في عالم كبير مليء بالفوضى والتسارع غير المحدود.

ويختم أبو عرجة الحديث، بقوله “إن وجود صناع المحتوى ضمن الأسس الإعلامية الملائمة يشكل إضافة إلى الجهد الإعلامي العام الذي يهدف إلى مزيد من التنوير والمعرفة وخدمة المجتمع، وما عدا ذلك فإنه يحتاج إلى ضبط ومراقبة وترشيد حتى لا يكون عبئاً ثقيلاً وخارجاً عن مألوف القيم الإعلامية الرصينة”.

اقرأ أيضاً: 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock