أفكار ومواقف

صحفيو تونس يتأرجحون بين سطوة رأس المال.. والإعلان والسياسيين

تونس – المشهد الإعلامي في تونس، مهد “الربيع العربي”، يتسم بالحيوية والديناميكية، لكنّه مليء بالتناقضات.
ويتجلّى في هذا الإعلام مخاض التحول من اللون الواحد أو “بوق النظام”، إلى الانفلات والفوضى، بانطلاق عشرات المنصات الإعلامية التي تعكس ألوان الطيف السياسي وأهواء الممولين؛ من رجال أعمال، وساسة، وطامحين إلى السلطة.
أمام هذه الفوضى، يتنامى قلق في الإعلام المستقل -وهو أقلية- من “ظاهرة التسريبات” الأمنية والسياسية إلى وسائط إعلام انطلقت مع حكم “حركة النهضة” الإسلامية، واستمرت في عهد حزب “نداء تونس”. وهي تنتشر من دون تدقيق في محتوى الأخبار ومقاصدها. وهناك مخاوف من تصاعد سيطرة “المحاصصة السياسية” على مؤسسات إعلامية خاصة، وغزو من يسمون بـ”إعلاميين مأجورين”؛ انحازوا لرجال العهد القديم، ويبيعون أقلامهم لمن يدفع أكثر.
هكذا حال متوقعة. فبناء إعلام مهني تعددي، يتوخّى المبادئ الأخلاقية لخدمة المصلحة العامة، يحتاج إلى وقت. فكيف يتعامل الصحفيون مع واقع جديد غير متوقع؟ إذ بين ليلة وضحاها، وجدوا أنفسهم وسط بحر مائج من دون إلمام بالسباحة وقواعد النجاة. ويفاقم الفوضى احتكار شركات الإعلان وغياب معايير واضحة للمهنية والحيدة.
المفارقات عديدة
اليوم، يُجمع صحفيون على صعوبة إقدام أي مسؤول على منعهم من تغطية أي خبر، لأن النقابات الفاعلة والمجتمع المدني سينتفضون في ديمقراطية ناشئة تواجه تحديات متناسلة. وسيتحول المنع إلى فضيحة مجلجلة. لكنهم قد يسمعون ردا من المسؤول على شاكلة: “انشر وتحمل المسؤولية”؛ وبالتالي يكون الصحفي أمام خيار: “اعقلها وتوكل”؛ ممارسة الرقابة الذاتية والانصياع لرغبة رئيس التحرير، بخاصة إذا كان مقربا من السلطة.
زياد كريشان رئيس تحرير صحيفة “المغرب” واسعة الانتشار، يقول لكاتبة المقال: “أصبحت مهنة الإعلام اليوم نعمة إلهية، حيث تصنع محتوى الجريدة كما تريد، وتكتب كما تشاء، والحكومة تخشى من التدخل بسبب ردة الفعل”.
هذا وضع متقدم جدا مقارنة مع القلق الذي يعيشه إعلاميون عرب، تحديدا في دول تشهد انتكاسة إعلامية بعد أن مشت خطوات على وقع التغيير الذي يعصف بالإقليم، أو دخلت أتون حرب أهلية. ففي البلدان الأكثر استقرارا بفعل القبضة الأمنية، يطالب الإعلاميون اليوم باختيار موقف واضح: مع السلطات أم مع المهنة؟ لم يعد هناك مجال كبير للاستقلالية والمهنية. وفي الدول المشتعلة بالحروب، باتت آلة القتل والاختطاف من شيم السلطة أو الجماعات المسلحة التي تتحكم بالجغرافيا. وبات ثمن العمل في مهنة المتاعب مكلفا جدا للصحفيين وعائلاتهم.
في تونس التناقضات عديدة
الرئيس الباجي قائد السبسي يصر على ضمان حرية الرأي والتعبير، فيما يتقدم مركز تونس على مؤشرات الحريات الإعلامية الدولية. في المقابل، تتجدد الاعتداءات على صحفيين يغطون مظاهرات للشرطة، بالزي المدني، كما حصل في وسط العاصمة قبل أسبوع. ويحال صحفيون إلى المحاكم، من دون تعديل في القوانين الجزائية بما يواكب روح قانون الإعلام الجديد؛ إذ يبقى الخلط بين جنح الصحافة وجرائم القانون العام. كما علّق قانون حق الحصول على المعلومات، الذي أقر مبدئيا عقب الثورة إلى حين إقراره في البرلمان المنتخب. ويتحكم المسؤولون بالمعلومات حجبا وتسريبا للمقربين حصرا. وفي أحيان كثيرة، تمنع الشرطة الصحفيين من القيام بمهامهم.
بين ليلة وضحاها، ينتقل إلى جنيف الإعلامي الإشكالي معز بن غربية صاحب “قناة التاسعة” -التي ستنطلق مطلع العام 2016- طالبا الحماية بعد تعرضه لمحاولة اغتيال “لأن وزارة الداخلية رفعت عنه الحماية الشخصية” كما يزعم. ثم يحمّل فيديو على صفحته “الفيسبوكية” يعدّد فيه استهدافات مشابهة تعرض لها سابقا، إلى جانب ضغوط طالته من “مليشيات فيسبوك”. وقد توعد بكشف حقيقة عمليات الاغتيال السياسية التي طالت شكري بلعيد والبراهمي وطارق المكي وغيرهم، ما دفع النيابة العامة للإعلان عن عزمها فتح تحقيق حول الفيديو. قبل ذلك، قضت المحكمة الابتدائية بحبس بن غربية ستة أشهر مع وقف التنفيذ، بتهمة “ارتكاب أمر موحش ضد رئيس الدولة (تقليد صوته) والتحايل ونسب صفة لنفسه لدى العموم والمشاركة في ذلك”، طبقا للمجلة الجزائية التونسية.
إعلامي آخر في قناة ذات توجه إسلامي يرفع شعار “رابعة العدوية” بعد أن قرأ خبر الحكم بإعدام الرئيس المصري السابق محمد مرسي. وثالث يجبر رئيس وزراء مصر على مغادرة مؤتمر صحفي بعد سؤاله عن ضلوعه وبعض وزرائه في قضايا فساد. بعد أيام يستقيل إبراهيم محلب في القاهرة.
في المقابل، يقر إعلاميون بأن نشرة أخبار القناة الأولى (الوطنية) الممولة من الخزينة، تبقى الأكثر متابعة، وحيدة وإنصافا في التعامل مع الأطراف السياسية. وهي تسير صوب مفهوم إعلام الخدمة العامة، رغم الهفوات المهنية وشح الموارد. المفارقة أن “الوطنية”، كانت رمزا لفجاجة “الإعلام الرسمي”، قبل ظهور مشاريع خاصة (تلفزة وراديو وصحف) لمحاسيب وأقرباء زين العابدين بن علي، كانت تحاول تجميل صورة النظام بـ”فذلكة” قبل 2011.
الزملاء في تونس اليوم يقارنون محتوى “الوطنية” مع نشرات وحواريات فضائيات ذات ملكية خاصة. يتحسرون ويشتكون من التخبط التحريري وتدني مستوى المهنية. إعلام بعضه يشوه الحقائق ويمارس التضليل والابتزاز والتطبيل، إما انتصارا لموقف “نداء تونس” وتلاوينه أو لحركة “النهضة”؛ الشريك الثاني في التحالف الرباعي الذي يدير الحكومة منذ 2014.
في الأثناء، تواجه صناعة الإعلام اليوم تحديات قانونية ومهنية وأخلاقية، قد تطيح بما تحقق من إنجازات. وتستغل قوى متنفذة الأوضاع الاقتصادية التي تمر بها صحف ومواقع إلكترونية لشراء الوسيلة أو ذمم صحفيين. كما يستمر تداخل الرأي الشخصي مع العمل المهني في مشهد مقلق، يعكس غياب ثقافة المهنية الإعلامية، وبما يعمق أزمة الثقة بين المواطن والإعلام. فمثلا، لا تمانع قنوات خاصة في أن يرتدي مقدمو برامج حوارية قمصانا خاصة تحمل علامات لشركات تجارية معينة! فكيف نتوقع من هؤلاء الإعلاميين توخي الحيدة والإنصاف، في حال تورطت هذه الشركات في شبهات فساد؟
أجواء الانفلات هذه قد توفر الحجج لقوى محافظة ومتنفذة تسعى إلى تقليص مناخ الحريات الإعلامية والسياسية في البلاد التي تواجه تحدي الإرهاب العابر للحدود.
المحك الرئيس للمهنية جاء مع موسم الانتخابات التشريعية، عندما اتخذت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (الهايكا) قرارا مشتركا مع الهيئة العليا المستقلة للانتخابات يحدد القواعد الخاصة بالحملات الانتخابية. ورأت أن تغطية التلفزة والإذاعة الرسمية اتسمت بالالتزام النسبي بهذه المعايير، بينما شهدت مؤسسات خاصة تجاوزات عدّة، لعلّ أبرزها الصراع المفتوح بين قناتي “الحوار التونسي” و”نسمة”؛ على خلفية المنافسة بين حزبي “نداء تونس” المسنود من “نسمة” و”حزب الاتحاد الوطني الحر” المقرب من “الحوار التونسي”. كما اصطفّت قنوات تلفزة -مثل “المتوسط” و”الزيتونة” و”شبكة تونس الإخبارية”- خلف حركة النهضة وحلفائها. إذاعيا، نشب خلاف بين “حزب المؤتمر من أجل الجمهورية” وراديو “موزاييك إف. إم”.
هذا التخبط الإعلامي ظهر جليا عندما تعرضت تونس لعمليتين إرهابيتين في متحف باردو ومنتجع سوسة قبل أشهر. وهناك قلق من التحشيد الذي تمارسه قنوات خاصة على نحو دفع عديدين إلى الخشية من محاكاة الإعلام المصري في تعامله مع الحرب على الإرهاب في سيناء. ذلك ينذر بإعادة استبداد السلطة تحت ستار مقاومة الإرهاب، والإطاحة بحقوق الإنسان بعد أن سنّت تونس قانونا لمحاربة الإرهاب يتماثل مع قوانين مصر والأردن والسعودية والبحرين.
إذن، شبح الإرهاب في سماء تونس قد يفتح المجال اليوم أمام مقايضة بين “الأمن والاستقرار وحقوق الإنسان من جهة، ومحاربة الإرهاب من جهة أخرى”. فلدى تعاطيه مع واقعة باردو، ارتكب الإعلام التونسي 28 إخلالا مهنيا بين 18 و24 آذار (مارس) الماضي، تمثلت ببث معلومات من شأنها التأثير على سير التحقيقات والعمليات الأمنية وتبرير الارهاب عن غير قصد.
 هناك خشية من تنامي خطاب معاد للمنظمات الحقوقية واتهامها بالدفاع عن “الإرهابيين”، في محطات محسوبة على العهد السابق، تستخدم تشويه الحقائق جسر عودة للحياة العامة بعد أن لفظتهم الثورة. وقد تستغل هذه الأصوات المدعومة من أجنحة محافظة في التحالف الحكومي، الشكوى والتذمر الشعبيين من البطالة والفقر للتراجع عن الإصلاحات المتحققة.
المشهد مفتوح على الاحتمالات كافة. لكن سيكون من الصعب مصادرة حرية الرأي والتعبير؛ المكسب الأول للثورة. ويظل الإعلام الحر أهم روافع البناء الديمقراطي وتطوير المهنية، لكن التونسيين يحتاجون للتضحية في مجتمع يقبل بالتعددية وحق الاختلاف.
تونس كما حال إعلامها، تسير إلى الإمام رغم صعوبات “التسنين” الديمقراطي.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock