أفكار ومواقف

صدمة تنموية لم تحركنا

واحدة من ابرز نتائج التعداد العام للسكان لعام 2015 التي كان من المفترض أن تدق جرس إنذار لا يتوقف تتمثل في حجم تكدس السكان في العاصمة وحولها، فنحو 40 % من السكان يسكنون في مساحة لا تتجاوز 8 % وإذا ما أضيفت المناطق المجاورة في الزرقاء والبلقاء فإن نحو 60 % من السكان يسكنون في مساحة لا تتجاوز 12 % من مساحة البلاد، صاحب ذلك على مدى عقود تكدس الإدارة العامة في العاصمة وتكدس رأس المال والمصالح والخدمات العامة.
هذه الحقيقة تفسر الكثير من الأزمات الإدارية والخدمية والتنموية التي ندور فيها من ابسطها إلى اكثرها تعقيدا وكأننا في حلقة مفرغة لا تتوقف، تفسر حالة حوادث السير التي تحصد أرواح العشرات شهريا، تفسر فشل التنمية في المحافظات وعجز الحكومات عن نقل ولو جزء يسير من الاستثمارات خارج العاصمة، وتفسر الضغط الهائل على الموارد، والتفاوت الواضح في نوعية الحياة سواء بين عمان والمدن الأخرى، أو في احياء عمان نفسها، وتفسر الارباك في فهم وتطبيق مشروع اللامركزية في ابعاده التنموية والخدمية.
الى اليوم، لم نوفق في تطوير رؤية وطنية مرتبطة باستراتيجية بعيدة المدى لاعادة توزيع السكان أو التفكير في بناء مجتمعات عمرانية جديدة ومدن وبلدات، للتخفيف من حدة تورم خاصرة البلاد، ولزيادة القيمة المضافة للاقتصاد الوطني حينما يذهب الناس إلى الموارد وليس حينما تذهب الموارد إلى الناس. ولا يمكن أن تنطلق أي رؤية استراتيجية في هذا الاتجاه دون التفكير أولا بالطرق وخطوط المواصلات واعادة التفكير في البنية التحتية وإدارتها.
نلاحظ حفاظ قطاعات مهمة من البنية التحتية على معدلات نمو شبه ثابتة لا تتفق مع النمو السكاني والحاجات التنموية المتزايدة؛ بمعنى أن النمو السكاني كان يتصاعد على نمط المتوالية الهندسية، فيما النمو في قطاعات البنية التحتية بقي ينمو على نمط المتوالية الحسابية والاخطر من ذلك ان هذا النمو زاد من التركيز والتكديس في مناطق محددة. وعلى سبيل المثال، فإن مجموع أطوال الطرق في العام 1990 كان في حدود 6041 كلم، بينما وصل في العام 2007 إلى حوالي 7768 كلم؛ أي إن الطرق حافظت على معدل نمو ثابت في حدود 90-100 كلم في العام الواحد، رغم الزيادة الهائلة في السكان التي شهدتها البلاد.
يضاف إلى ذلك الاختلالات التي شهدتها أحوال البنية التحتية نتيجة الزيادة القسرية الكبيرة للسكان والتي زادت من تكديس السكان ايضا في المناطق ذات الكثافة السكانية والتي تعاني ضغطا هائلا على الموارد والخدمات، والمتمثلة في الموجة التي شهدها الأردن في التسعينيات، والحركة السكانية المفاجئة والكبيرة من العراق ومؤخرا من سورية.
وحسب تقرير التنافسية العالمي حل الأردن في مرتبة متوسطة في جودة البنية التحتية إذ احتل المرتبة 65 عالميا في العام 2018. وفي المرتبة السادسة عربيا، وجاءت أحوال البنية التحتية السبب الثالث في إعاقة تطوير الأعمال، فالبنية التحتية هي أساس التنمية وعمودها الفقري وتشكل تحديا حقيقيا أمام جلب الاستثمار وتقدم الاقتصاد، والبنية التحتية مسؤولية الدولة في كافة النظم الاقتصادية، ورغم انجازات البنية التحتية إلا أن سوء إدارة هذه البنى وسوء توزيعها ساهم في استمرار سوء توزيع السكان وبالتالي سوء توسيع التنمية انها مصفوفة لا تتوقف من المشكلات المتداخلة والمعقدة.
نحن بحاجة الى وثيقة استرشادية وطنية تفحص أحوال تكدس السكان وخرائط توزيعهم وتعيد التفكير في أحوال البنية التحتية في عمان والمدن الأردنية، تحدد نقاط الضعف وتضع سيناريوهات للسنوات العشر القادمة من منظور تنموي يراعي عدم تركز البنى التحتية في مناطق محددة ويراعي اتجاهات ومستقبل التطور الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع الأردني وتأخذ بعين الاعتبار ان إعادة توزيع السكان فكرة معقدة وصعبة في بلد يعاني ظروفا اقتصادية معقدة وصعبة ايضا ولكنها فكرة غير مستحيلة، وقد تكون المدخل لحل موضوعي لازمة اقتصادية – اجتماعية ما زلنا نتجنب التفكير في حلها من جذورها.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock