;
أفكار ومواقف

صدور الناس باتت تضيق

جهاد المنسي

ليس من السهل أن تبقى خاليا من الديون والهموم طالما بقي وحش الأسعار يطحن، والمديونية مرتفعة، والزراعة تتراجع، والصناعة في واد مختلف، والضرائب تتوالى، والطاقة لارتفاع، «فلعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ولكن صدور الرجال تضيق».

وهنا فإن أخلاق الرجال والنساء مع الاعتذار لصاحب القصيدة عمرو بن الاهتم تضيق فنوائب الحياة باتت أصعب وأقسى وأكثر ضغطا وصدور الناس تفيض بالكثير من الهموم (فاتورة كهرباء ومياه ونت وقسط بيت وبنك ومدارس وجامعات وأكل ومشرب … الخ) كلها باتت تحضر بقوة أول كل شهر أمام عين الأردني المسكين الذي يأمل أن يرى بأم عينيه الأيام الموعودة والأجمل التي لم تأت بعد، والخوف كل الخوف ألا نرى تلك الأيام ونرحلها للأحفاد وأحفادهم!، ويبقى الحزام مشدودا على البطن دون بارقة أمل.

وكما قال أبو فراس الحمداني ذات يوم مضى وانقضى «لَعَمرُكَ ما الأَبصارُ تَنفَعُ أَهلَها إِذا لَم يَكُن لِلمُبصِرينَ بَصائِرُ»، فالأصل وحتى نؤسس لأيام جميلة مقبلة موعودة أن نخفض مديونيتنا لا أن تصل لحدود 50 مليونا، والأصل أن يرتفع عدد المستشفيات والمدارس وترتفع مدخلات الزراعة والصناعة، وأن نصبح أكثر اعتمادا على الذات بحيث نأكل قليلا مما نزرع، ونلبس قليلا مما نصنع، بخلاف ما نحن عليه اليوم حيث تصعقنا الأسعار وترتفع فاتورة الحبوب بشكل جنوني وكذلك الطاقة إذا وقع خلاف سياسي بين دول العالم، والمؤسف أننا الأكثر تضررا من أي خلاف يقع حتى لو كان في بلاد الواق واق.

الحقيقة الثابتة أنه حتى تصير حياتنا القادمة أفضل وأزهى وأجمل، فإن المطلوب من الجميع حكومة ومشرعين نوابا وأعيانا، وأحزابا ونقابات، وكل تيارات الدولة المختلفة، والقوى الشعبية النهوض بفكرنا الوحدوي لا أن نصبح أكثر تشرذما وجهوية، وأن نلغي من عقلنا فكرة المحاصصة، وألا نقرأ يوميا ونشاهد عبر المتصفح الأزرق أبناء هذه العشيرة أو تلك يباركون لابن عشيرتهم (بك تزهو المناصب) باعتباره تسلم مسؤولا في الدولة، والأصل أيضا أن لا نطالب بمحاربة الفساد والإفساد ووقف الاعتداء على المال العام، وعندما يتعلق الأمر بابن العشيرة نغضب ونتهم العالم أجمع بالتآمر على ابنهم الجهبذ.

قصتنا لا تحل بدرس تعبير وإنشاء نستخدم فيه كلمات رنانة للحصول على علامات مرتفعة، وإنما قصتنا قصة وطن، وطن نحبه ولذا نريده الأبهى والأكمل والأجمل والأنقى، وطن خال من الفساد والمحسوبية والمكارم والمعونة الوطنية، وطن يعيش فيه الجميع تحت راية وسقف القانون والدستور، لا يأخذ أحد حق الآخر ولا أن يصبح فلان مسؤولا لأنه ابن علان، ويظلم فلان لأنه لم يجد من يدعمه، نريده وطنا لا نرى فيه سيارة حكومية ذات لون أحمر في شوارعنا خارج أوقات الدوام الرسمي، ولا يسألك فيه أحدهم عن مولد الأب والجد وجد الجد، ولأنه وطننا الذي نحب نريده أقوى وأشد عودا، وقتها نستطيع أن نتفاءل أن الأيام القادمة ستكون أفضل، والمواطن أقل قلقا، والأسعار أدنى والطاقة أقل كلفة.

لا نريد لصدورنا أن تضيق، وإنما نريد أن تعرف حكومتنا أن الإصلاح يبدأ عندما تنخفض المديونية، ويحارب الفساد وتتوقف الواسطة والمحسوبية، ونرفع من قيمة الزراعة والصناعة الوطنية، ولهذا نريد الأردن كما هو قبل أن يلوثه تجار الكلام ويعبث بمقدراته أباطرة الاستغلال، نريده نديا تفوح منه رائحة الشيح والزعتر والزيتون، نزرعه ونأكل من ثماره ونتقاسم بيننا اللقمة دون أن ندفع للبنك الدولي وغيره فوائد دين بات يقتلنا ولا نعرف أين ذهب، وطن للجميع.

المقال السابق للكاتب 

ما يزال الميزان أعوج

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock